» الرئيسية » كتب » أهم أبعاد رؤية الغرب للإسلام وعلاقته بالمنطقة الإسلامية


أهم أبعاد رؤية الغرب للإسلام وعلاقته بالمنطقة الإسلامية

الكاتب


  1. د. طارق الزمر
    15 فبراير 2019

دراسة تحليلية... بقلم / د. طارق الزمر
    
    

    

    
    
 


 

 

 

 

 

 

أهم أبعاد رؤية الغرب للإسلام

وعلاقته بالمنطقة الإسلامية

دراسة تحليلية

 

بقلم / د. طارق الزمر


 
مقدمة

بسم الله الرحمن الرحيم

     يزعم المستشرقون الجدد ومن خلفهم معظم قادة الدول الغربية: أن الإسلام والجماعات الإسلامية المعاصرة هما سبب الصدام الحالي مع الغرب!! وهو بالطبع تصوير مبني على أن الإسلام والعالم الإسلامي هما سبب التاريخ الصراعي الطويل بين الإسلام والغرب!!.

ولأننا نعتقد أن هذا الزعم يمثل "فرية كبرى" و"إفك مبين" فسوف نحاول أن نعرض لذلك في هذه الرسالة على أمل أن نكشف أيضًا عن العدوان الواسع للغرب على الإسلام والعالم الإسلامي، وأسباب هذا العدوان، وأهدافه، ثم لماذا يصر الغرب رغم كل ذلك على اتهام الإسلام بالعدوانية؟ واتهام العالم الإسلامي بالإرهاب؟!.

في هذه الورقات سوف نحاول أن نتعرض لكل ذلك، على أمل أن نرسم صورة واقعية لما جرى ويجري الآن بين الإسلام والعالم الإسلامي وبين الغرب.

كما يجب أن ننبه المسلمين ولاسيما الإسلاميين إلى أهمية إدراك طبيعة العلاقة بالغرب، من خلال تصور صحيح "لرؤية الغرب للإسلام، وعلاقته بالمنطقة الإسلامية "، لأنها تشكل محورًا مهمًا من بين محاور الإدراك الشامل لطبيعة المرحلة ومن ثم المراحل المقبلة، فلا يمكن تصور نجاح وانتصار حركات المقاومة الإسلامية، أو تصور إقامة حكومات تحكم بالشريعة، أو تصور نهضة إسلامية شاملة، فضلاً عن تحقيق عالمية الإسلام الثانية، دون تصور شامل وصحيح لطبيعة العلاقة بالغرب .. وهكذا نأمل أن تساهم هذه الورقات في تحديد الأبعاد المهمة لطبيعة هذه العلاقة ومن ثم التعامل الإسلامي الرشيد معها.

فلا شك أن الغرب المعاصر، بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية قد أعلن حربًا عالمية شاملة على الإسلام والعالم الإسلامي، وهو في هذه الحرب لم ينقطع عن التراث الغربي الهائل المعبّأ بالكراهية لكل ما هو إسلامي، كما أنه موصول بكل المراحل والخطط والسياسات التي وضعت من قبل بهدف دمج هذه المنطقة المهمة من العالم والمقلقلة لمستقبل ومصير الغرب، في منظومة الغرب الثقافية، ونظامه للهيمنة العالمية.

ولذا وجب أن يمتلك المسلمون تصورًا شاملاً لرؤية الغرب للإسلام وخططه للتعامل معه، وذلك حتى يتمكنوا من وضع تصور شامل للتعامل مع هذا العدوان الغربي .. ووضع رؤية واقعية للدفاع عن الدين والهوية والأوطان.. بل ووضع فلسفة سياسية لبناء جبهة عالمية تدافع عن الإنسانية في مواجهة العولمة والقطبية الأحادية اللذان يهددان الحضارة الإنسانية عامة.

1- تصور تاريخي لطبيعة علاقة الغرب بالإسلام

وهذا التصور التاريخي يعتمد بالأساس على أن ما يجري اليوم بشأن الإسلام، وعلى أرضية العالم الإسلامي، إنما هو امتداد لحالة عامة تتملك الغرب، وتاريخ طويل من الحقد والكراهية بدأ مع ظهور الإسلام، وهذا ما عبر عنه القائد الإنجليزي جلوب (1897- 1986) الذي قال: "إن تاريخ مشكلة الشرق الأوسط إنما تعود إلى القرن السابع الميلادي" أي منذ ظهور الإسلام.

وذلك ببساطة لأن الإسلام قد استطاع أن يغير خريطة هذا الشرق ويخرجه من حقب الاستعباد الإغريقي والروماني والصليبي فضلاً عن أن الإسلام قدَّم عقيدة التوحيد التي أزعجت كل العقائد السائدة آنذاك، كما أن صياغتها البسيطة وبناءها المعجز قد تعامل مع فطرة الناس في سهولة ويسر، واخترق عقولهم في بساطة ورسوخ .. وهكذا أصبح الإسلام عدوًا عقائديًا فضلاً عن كونه عدوًا سياسيًا واستراتيجيًا.

لقد استطاع الإسلام والمدّ الإسلامي أن يوقفا انتشار المسيحية، بل ويهدِّدانها في أهم معاقلها.. كما أن أوربا كانت تنظر لنفسها نظرة عنصرية على أثاث وراثتها للتراث اليوناني والروماني ومن ثم فإنها – بطبيعتها – تحتقر كل الأجناس الأخرى ولاسيما الشرقي منها.. كما كان للتعارض الشديد بين عقيدة التوحيد وعقيدة التثليث سببًا رئيسيًا في هذا العداء التاريخي.

لهذا جاء رد الفعل الأوربي على هذا الحضور الإسلامي بشكل عدواني انفعالي .. فلم تكن أوربا قد كونت - بعد - أي رؤية نقدية أو تصور فكري أو فلسفي للتعامل مع الهجوم الأيديولوجي الإسلامي، فكانت الحروب الصليبية تعبيرًا عن لجوء حادِّ للعنف بسبب غياب الحجة، أو عدم القدرة على الوقوف العلمي أمام حجة الإسلام الدامغة ومفاهيمه النشطة والمتفاعلة .. كما كانت تعبيرًا حرفيًا عن هزيمة فكرية واستراتيجية استدعت كل هذا المخزون العدواني ومن هنا يقول دكتور كرين أرمسترونج: "لقد كان القرن الحادي عشر الميلادي هو بداية أوربا الجديدة، وكانت الحملات الصليبية بمثابة أول ردّ فعل جماعي تقوم به أوربا الجديدة"!! والدارس لمكونات هذا الردّ ودوافعه الأساسية، لن يعدم قدرًا غير يسير من الحقد والكراهية، ولن يجد رؤية واعية أو عقلاً حاضرًا، لهذا لم يجد أوريان الثاني مفجر الحروب الصليبية 1095م ما يقوله سوى:

"أيها الجنود اذهبوا وخلصوا البلاد المقدسة من أيدي الأشرار، اذهبوا واغسلوا أيديكم بدماء أولئك المسلمين الكفار"!!.

كما انطلقت الحملات الصليبية ومن خلفها عملية شحن كبرى، لم يكن لها سند علمي أو فكري إلا الملاحم التي كانت أحد أهم المسببات الرئيسية لشنها، ففي ملحمة رولاند (عام 1100م) نجد الإمبراطور ينادي جنوده كي يذبحوا المسلمين فيقول: "انظروا إلى هذا الشعب الملعون إنه شعب ملحد، لا علاقة له بالله، سوف يمحى اسمه من فوق الأرض الزاخرة بالحياة، لأنهم يعبدون الأصنام، لا يمكن أن يكون لهم خلاص، لقد حكم عليهم، فلنبدأ إذن بتنفيذ الحكم، باسم الله، ثم تبدأ المذبحة"!!.

لقد جاءت الحملات الصليبية إلى الشرق الإسلامي، محملة بطاقة عدوانية تجاه الآخر، أذهلت المسلمين الذين لم يكونوا قد عرفوا هذا النوع من العدوان أو الكراهية حتى في حروبهم مع أعدائهم.

فعندما حاصر الصليبيون "معرة النعمان" بسوريا حتى استسلم أهلها، بعد أن أخذوا العهود على حمايتهم، وحماية أموالهم وأعراضهم إذا بالصليبيين يقتلون الرجال والنساء والأطفال، وبلغ عدد القتلى مائة ألف قتيل، ولما وصلوا إلى بيت المقدس حاصروا أهله، ولما طلبوا الأمان أعطاهم قائد الصليبيين – الملك الإنجليزي ريتشارد قلب الأسد – رأيه كي يرفعونها على المسجد الأقصى ويلجئون إليه آمنين .. فما إن دخل الصليبيون المدينة (1099م/493ﮬ) حتى أعملوا القتل والذبح، ولم يرحموا من دخل من المسلمين المسجد، حتى بلغت الدماء ركبة الفارس منهم، وامتلأت الشوارع بالجماجم المحطمة والأشلاء الممزقة، وبلغ عدد القتلى سبعين ألفًا، بل إن جماجم القتلى لو جمعت لبلغ ارتفاعها أعلى من أسوار المدينة.

وفي دمياط نجد حرصًا شديدًا على سفك الدماء واغتصاب النساء وتحويل المساجد إلى كنائس، فلا مكان للمسجد إذا كانت الغلبة للصليبيين كما قاموا بتنصير الأطفال بعد أن فشلوا مع الكبار، وطبعًا فقد كان ذلك على وجه الإكراه والإجبار.

وبرغم استمرار هذا الهجوم العدواني، المحمل بأبشع أساليب الحرب القذرة، لما يقرب من قرنين من الزمان، إلا أنه رد خائبا محملاً بالإحباط واليأس من إمكانية هزيمة هذه الأمة.

ولقد كان من نتائج هذا الاحتكاك المبكر بين الغرب والإسلام، أن اكتشف الغرب أنه يواجه أمة فتية تمتلك كل عناصر القوة وعوامل الاستمرار، وأنها تعبر عن حضارة كبرى، وإن تناقضت مع طبيعة حضارته .. وهكذا كان العمل على الاستفادة من عناصر قوة الأمة مع العمل - أيضًا - على التجهيز للصدام معها، بهدف إقصائها من طريق هيمنة الغرب.

*                            *

فإذا انتقلنا إلى "حقبة الكشوف الجغرافية" – الصليبية أيضًا – لوجدنا أنها كانت امتدادًا للحروب الصليبية، فقد ظل هاجس هذه الحروب جاسمًا على أذهان أوربا طوال القرون، فكان كل بابا للكنيسة أو ملك جديد يؤكد شرعيته بإعلان الدعوة للإعداد لحرب صليبية جديدة .. وعندما أخرج فرديناند وإيزابيلا المسلمين من أسبانيا، كانت أسطورة الحروب الصليبية لا تزال مسيطرة على الأذهان، ولهذا كانت محاكم التفتيش والتطهير العرقي والديني لأسبانيا الكاثوليكية.

وفي ذات السياق الصليبي جاء البحث عن طريق رأس الرجاء الصالح لمحاصرة الدولة العثمانية، وانتزاع السيطرة على التجارة الدولية من أيدي المسلمين، وإحكام سيطرة أوربا عليها كما فرض هذا السياق الصليبي نفسه على العالم الجديد، فلم تدخل أوربا أمريكا إلا تحت راية الصليب وهكذا انطلقت الكشوف الجغرافية، وكان من أهم أهدافها محاصرة الدولة الإسلامية – العثمانية آنذاك – اقتصاديًا واستراتيجيًا، كما كان ذلك – أيضًا - محاولة لتدارك فشل الحروب الصليبية، والعمل على تحقيق أهدافها من خلال إدارة جديدة للصراع مع الإسلام، كما كانت تهدف إلى تحقيق الثراء الذي كانت أوربا في أمس الحاجة إليه.

*                            *

وما إن استكملت أوربا نهضتها، وأنجزت ثورتها الصناعية، حتى عادت من جديد تتوجه حملاتها الاستعمارية – والصليبية أيضًا – للشرق الإسلامي، فالانتقام من هذه المنطقة التي هددت نفوذ الغرب.

في العالم وارد .. والسيطرة عليها لمنع كل أسباب قوتها ونهضتها – ابتداءً من الدين وانتهاءً بالتقدم العلمي – وارد.. والاستحواذ على ثرواتها وفرض التخلف عليها وارد.. وكذلك فرض تقسيم العمل الدولي الذي توجبه الثورة الصناعية، يجعلها فقط مصدرا للمواد الأولية، وارد !!.

وخلال كل ذلك كان الثأر من الإسلام واضحًا، كما كان العمل على طمس هوية الأمة الثقافية والحضارية وتجريدها من كل عوامل نهضتها.. بل والعمل على إعداد نخب جديدة تمثل المستعمر في قيادتها للمنطقة، والعمل على تفكيك المنطقة التي لم تكن لها حدودًا سياسية سوى حدود الدولة الإسلامية الكبرى وزرع إشكالات على حدودها واستنبات الأزمات بين أبنائها.

وليس أدلّ على أن الدين الإسلامي والحضور الإسلامي الشعبي كانا مستهدفين من تلك الحملات، من حرصها على إلغاء العمل بالشريعة في كل مكان حلت به، ففي مصر كان العمل على إلغاء الشريعة حاضرًا في أول جلسة للمجمع العلمي الفرنسي بعد الاحتلال، وظلت محاولات نابليون مركزة تجاه تعديل النظام التشريعي والقضائي .. ولما جاءت بريطانيا المنافسة لفرنسا لم تختلف على ذات الهدف، لهذا فقد اشترطت في معاهدة "مونترو" مع الحكومة المصرية، ضرورة ألا تخالف القوانين الجديدة في مصر القوانين الأوربية!! وعلى ذات النسق كان يعمل الاستعمار الأوربي في كل بلاد العالم الإسلامي التي احتلها.

ولم يقف الاستعمار عند حدّ إسقاط حكم الشريعة وإلغاء العمل به، بل بذل جهدًا حثيثًا - أيضًا - في سبيل نسف وتدمير أسس الحياة الاجتماعية الإسلامية، وهو ما يتضح بجلاء من رسالة نابليون إلى خليفته في مصر كليبر، حيث أمره أن يقبض على أعداد كبيرة من المماليك والعرب ومشايخ البلدان، وإرسالهم إلى فرنسا، يحتجزون فيها!! عامًا أو عامين، يعتادون اللغة الفرنسية والحياة الغربية، ثم يعودون إلى مصر ليكونوا حزبًا، ولم يفت نابليون أن يذكر كليبر أنه لم ينس طلبه بإرسال فرقة تمثيلية!! مؤكدًا على أهميتها في البدء في تغيير تقاليد البلاد!!.

كما أن المراجعة التاريخية السريعة تكشف أن أهم المشكلات الاستراتيجية التي لا تزال تعاني منها الأمة .. حيث الصراع العربي الإسرائيلي، ترجع بالأساس إلى الاستعمار الغربي:

فعندما غزا نابليون (الكاثوليكي) مصر 1798م أصدر بيانًا دعا فيه اليهود إلى مساعدته في حملته الاستعمارية على مصر وفلسطين وبلاد الشام مقابل مساعدتهم في العودة إلى فلسطين (أرض الميعاد!!).. كما كان يأمل في تجميع اليهود في فلسطين لعزل بلاد الشام عن مصر، ولكن اليهود آنذاك، هم الذين رفضوا هذا العرض، لعدم إثارة حكام بلاد الشام وفلسطين، ثم جاءت بريطانيا (البروتستانتية) تستكمل الدور الأوربي الهادف إلى توطين اليهود في فلسطين فكانت الهجرات الاستيطانية إلى فلسطين.

 (1882-1914م) وهو ما ساعدت عليه الدول الأوربية بقوة ومن الجدير بالذكر أن توطين اليهود في فلسطين قد حقق هدفين:

الأول: تخلص أوربا من اليهود الذين كانوا يؤرقون المجتمع الأوربي آنذاك ويتسببون في أزمات عديدة داخلة.

الثاني: زرع بؤرة استيطانية حربية متقدمة في قلب الجسد الإسلامي، لتحقيق الأهداف الاستعمارية بالمنطقة.

                                    *                           *

2- الاستشراق.. والتأسيس الشامل للعدوان على

الإسلام والمنطقة الإسلامية

لقد كان من نتائج الحروب الصليبية، أن اكتشفت أوربا أن الشرق الإسلامي يمتلك رصيدًا هائلاً من الفكر والحضارة فضلاً عن العقيدة والديانة، وهما سببا قوته وصموده أمام تلك الحملات الشرسة، ومن هنا بدأ الاستشراق الذي كان ممهدًا حقيقيًا ودافعًا رئيسيًا للاستعمار والتبشير.

والحقيقة أن الاستشراق قد بدأ قبل الحروب الصليبية، ولكنه قد استمد من هزيمتها قوة دفع كبرى .. فلقد بدأ منذ أن أعتلى "جرير دي أورليال" كرسي البابوية عام 999م، وأخذ يوجه القساوسة والرهبان لتعلم العربية، ودراسة الإسلام لمواجهته.

وهكذا تميزت الدراسات الاستشراقية بالعداء السافر للإسلام منذ بدايتها .. ولا تزال هذه العدوانية تمثل تلك الدراسات، ولاسيما بعد 11 سبتمبر، خاصة في الولايات المتحدة الأمريكية، ومن أمثلة هذه العدوانية ما كتبه المستشرق "سيل" في تمهيد ترجمته للقرآن الكريم حيث يذكر: "إن هدفه من هذه الترجمة هو تسليح البروتستانت في حروبهم ضد الإسلام والمسلمين، لأنهم وحدهم قادرون على مهاجمة القرآن بنجاح، وإني واثق بأن العناية الإلهية قد ادخرت لهم مجد إسقاطه".

وفي إطار هذه العدوانية يمكن أن نفسر الحملات المستعمرة والمستمرة حتى اليوم على القرآن، والرسول والمسلمين بوجه عام، والهدف الواضح للاستشراق هو التشكيك في قيم الإسلام وثوابته ورموزه، وذلك بغرض اقتلاع جذوره من هذه المنطقة المهمة من العالم.

وعلى ذات النسق جاءت حركة التبشير، والتي ركزت على تشويه عقيدة التوحيد، حتى تفتح الباب واسعًا أمام المبشرين، الذين سينقذون المسلمين من هذه العقيدة الوثنية!!.

واللافت للنظر أن الاستشراق قد أسس لعملية تشويه متعمد للإسلام لازلنا نعيش امتداداتها وتأثيراتها بشكل واضح ..

فإذا نظرنا إلى الهجوم الفج على رسول الله (صلى الله عليه وسلم): فيما سُمى بحرية التعبير الأوربية، والتضامن الواسع بين الصحف لنشر الرسوم الكاريكاتيرية، لعلمنا أنها ليست مجرد سخرية، أو محاولة للانتقام من الإسلام أو وسيلة لاستفزاز الشباب الإسلامي، بقدر ما تعبر عن اتجاه أصيل كرَّسه المستشرقون في عمق بناء الثقافة الغربية، ووسيلة متطورة من بين وسائل الغرب للتمكين لمشروعهم العالمي، الذي يعتقدون أنه لن يكتب له الاستمرار إلا عبر جثة الإسلام والعالم الإسلامي.

ومن هذا التشويه ذلك الكم الهائل من الأفلام الغربية التي تصور الإسلام في أبشع صوره، ولعل صورة " دراكولا " التي ترمز للإسلام ليست هي الأسوأ في هذا المجال كما جاءت أفلام هوليود لتؤهل منذ منتصف السبعينيات لحروب حقيقية تقودها الولايات المتحدة ضد الإسلام والعالم الإسلامي:

ففي عام 1975م ظهر فيلم "نتورك" يقول خلاله معلق إخباري: إن العرب يستولون على أمريكا، ويصفهم بأنهم متعصبون منذ القرون الوسطى.

 وفي ذات العام ظهر فيلم "الأحد الأسود" يقوم فيه إرهابيون عرب بالتآمر لقتل المتفرجين على مباراة لكرة القدم، ومن بينهم الرئيس الأمريكي، ولكن يحبط المؤامرة ضابط إسرائيلي!!

وفي عام 1982م ظهر فيلم "الخطأ هو الصحيح" يقوم فيه ملك عربي بتسليم قنبلتين نوويتين لتفجيرهما في إسرائيل ونيويورك، إذا لم يستقل الرئيس الأمريكي.

وفي عام 1985م، وعام 1988م ظهر فيلم "النسر الحديدي" على جزئين وهو فيلم يمهد لظهور عدو إسلامي خارق وكان الفيلم نقطة تحول في السينما الأمريكية من العدو الشيوعي إلى العدو الإسلامي، وقد ساعدت إسرائيل في إنتاج الجزء الأول بطائرات فانتوم وإف 16 وبالطيارين والمستشارين العسكريين.

وفي عام 1993م ظهر فيلم "أكاذيب حقيقية" يصور المسلمين كمجموعة من المتطرفين الذين يفجرون مفاعلاً نوويًا في فلوريدا.

وفي عام 1996م ظهر فيلم "الطريق إلى الجنة" يقول فيه ضابط مخابرات أمريكي: " ها هو الشيخ وأعوانه قادمون، إنهم يعتقدون أننا شياطين، إنهم يريدون أن يدمّروا مجتمعنا " وينتهي الفيلم بظهور شخص مسلم متدين يقول وهو يملأ وجهه الشاشة ؟، على خلفية صوتية لقرآن مرتل: "انتظروا الانفجارات القادمة" !!.

وهذا العام (2008 م) يتم الترويج في الولايات المتحدة لفيلم وثائقي بعنوان "الإسلام: ما يحتاج الغرب ليعرف" وهو يصف الإسلام بأنه "أعنف ديانة على وجه الأرض"..  ويبدأ الفيلم بأصوات الأذان ثم يعرض لآراء بعض قادة الغرب الذين يقولون: إن الإسلام دين سلام، ثم يستطرد في توضيح أن ذلك ليس صحيحًا - وهو نفس منهج صمويل هينتجتون في كتابه - صدام الحضارات -

وتقول الشركة المنتجة للفيلم – كويكزوثيك ميديا- : "إن الفيلم يوضح أن الإسلام في الحقيقة دين عنيف، ودين توسعي يسعى للدمار وإخضاع الديانات والثقافات وأنظمة الحكومات الأخرى"!!.

ويقول مخرج الفيلم: "إن الفيلم يفتش في القرآن والنصوص الإسلامية الأخرى وسيرة النبي محمد، ليكشف أن العنف ضد غير المسلمين كان وسيظل سمة الإسلام، وإن حرب العصابات والإرهاب باسم الإسلام، تنبع مباشرة من تعاليم وسيرة النبي محمد، ومن أوامر القرآن" !!.

وهذا العام أيضًا 2008م ظهر فيلم "الفتنة" للمخرج الهولندي وعضو البرلمان وزعيم حزب الحرية "جرت فيلدرز" الذي يهاجم الإسلام والقرآن بشكل سافر، ويقول: إن العرب والمسلمين يعلمون جيدًا معنى الكلمة التي اختارها عنوانًا لفيلمه!!

 هكذا يجري تصوير الإسلام داخل المجتمعات الغربية.. وهكذا يتم شحن هذه المجتمعات ضد الإسلام، بما يوحي بتحضير قادة الغرب لحروب طويلة مع العالم الإسلامي.

3- تشبع العقلية الغربية بالصدام.. والعمل على استئصال الآخر

لقد سبق الحديث عن العقلية الغربية العنصرية الاستعلائية، بجذورها الإغريقية والرومانية والصليبية، وكيف أن هذه العقلية قد تعاملت بكل احتقار وقوة مع كل الآخرين، والآن نوغل خطوة أخرى في هذه العقلية، لنرى كيف أنها تشبعت حتى النخاع بكل عوامل الصدام، وكل سمات الشخصية التي ترفض الآخر وتسعى إلى استئصاله حتى لو كان هذا الآخر من داخل حضارة الغرب ذاتها.

فلنتأمل في تعامل الغرب مع العالم، ولاسيما منذ حقبة الكشوف الجغرافية، باعتبارها الحقبة المؤسسة للعولمة المعاصرة، ومدى حرصه على الهيمنة والاستئثار بثروات الشعوب، بغض النظر عن الوسائل أو النتائج.. فلقد كان ذلك من خلال ارتكاب أعظم وأبشع جريمتين ارتكبتا في حق الإنسانية.

فلقد جاء تعامل الغرب مع القارة السمراء معبرًا عن استهانة كبيرة واحتقار بلا حدود، وتحول الإنسان الإفريقي في ظل ذلك إلى حيوان، ينتقل من مكان إلى مكان في قفص من حديد!! دون اختيار أو إرادة وإذا قاوم ذلك العدوان كان مصيره القتل بالإلقاء من على ظهر السفينة في الأطلنطي، كي يكون طعامًا لوحوش البحر، وإذا لم يقاوم ظل عبدًا للرجل الأبيض!!.

لقد تعرض لذلك المصير ما يقرب من مائة مليون إفريقي "أسود" مات منهم أثناء عملية النقل ما يقرب من عشرين مليونًا!!.

أما الجناية الثانية، فهي جناية إبادة الملايين من سكان القارة الأمريكية الأصليين (الهنود الحمر) تحت دعاوى الاستكشاف والتعمير!! وهي إبادة استعملت فيها أقذر وأحط الوسائل.

                                      *                                     *

 
فلقد جاءت حركة الكشوف الجغرافية، بعد الفشل النهائي للحروب الصليبية، وكانت تمهيدًا حقيقيًا للاستعمار ..

لقد ظل هاجس الحروب الصليبية مسيطرًا على أذهان الأوربيين (كما يقول الفرنسي ديبرون في رسالته للدكتوراه "أسطورة الصليبية").

حتى جاءت حقبة الكشوف الجغرافية التي رفعت أيضًا "الصليب" وإن كان محركها الرئيسي هو البحث عن الذهب وإشباع غريزة الجشع.

وساعد أوربا في النجاح في حركتها الكشفية، أنها كانت بحاجة ماسة إلى ما يخرجها من أوضاعها الاقتصادية المتردية، وكذلك التفوق العلمي المفاجئ الذي تعلمته من الصين ( وخاصة البارود والبوصلة والطباعة ) فضلاً عن الدافع الديني الذي ظل دومًا في اتجاه حروب صليبية.

وقد استباح الأوربيون في حركتهم الكشفية كل الثروات التي وقعت تحت أيديهم البيضاء!! ولاسيما الذهب الإفريقي، واستعبدوا كل الشعوب التي وقعت عليها عيونهم الزرقاء!! وكانت تجارة الرقيق أول استثمار دولي لرأس المال على نطاق واسع!!.

وخلال هذه الحقبة حقق الأوربيون مكاسب ضخمة من التجارة والغزو والقرصنة والإبادة الجماعية والسخرة وشكلت هذه المكاسب من الذهب والفضة وتجارة الرقيق والمحاصيل الزراعية أول تراكم رأسمالي في أوربا، وهو الذي ساهم بدور كبير في مرحلة التوسع الرأسمالي، وتكوين ظاهرة الاستعمار.

*                                    *

ثم جاءت الحقبة الاستعمارية الحديثة محملة بأكبر قدر من الاستعلاء والعنصرية ويكفي أن نعلم أن التبرير الذي كان يسوقه منظروا هذه الحقبة: أنه يستحيل على الله أن يودع في تلك الأجناس الملونة (كل ماعدا الأوربيون) أرواح طاهرة كأرواح البيض!! ولهذا كانت الاستهانة بمصائر الشعوب، والاستباحة الكاملة لدمائهم وأموالهم!!.

*                                    *

ثم إن المتابع للصراع المرير الذي تفجر خلال القرن العشرين داخل أوربا ذاتها وبين أقطابها، وعلى أرضية الدولة القومية الحديثة، يجد أول حربين عالميتين تشهدهما الكرة الأرضية.. ويجد طاقات هائلة من التدمير والعدوان، لم يعرفها العالم من قبل:

فالحرب العالمية الأولى (1914م) بلغ عدد ضحاياها أكثر من 37 مليونًا من البشر، كان عدد المدنيين الأبرياء منهم 30 مليونًا، والحرب العالمية الثانية (1939- 1945م) بلغ عدد ضحاياها أكثر من 55 مليونًا من البشر، ثم كيف تم استخدام القنابل الذرية لضرب اليابان، برغم أنها كانت مستعدة للاستسلام فعلاً، ومن العجيب أن ذلك قد تم بإذن الرب ورعايته!! لهذا فقد أدى قس الفرقة الجوية 509 للطيارين هذه الصلاة قبل أن تقلع بهم الطائرة الحاملة لأول وحش ذري محا هيروشيما ومن عليها من الوجود: "أيها الأب القوي.. يا أب الرحمة، فلترعى هؤلاء الرجال، إنهم سيطيرون الليلة، احمهم واحفظهم وجنبهم لعنات السماء واشملهم بعنايتك، ولتحفظ أجسادهم وأرواحهم وردهم إلينا سالمين، هبنا الشجاعة والقوة في هذه الساعات التي تحن فيها، وكافئهم على جهودهم، أيها الأب هب عالمك السلام ودعنا نسلك طريقًا في ثقتك وهديك، إنك موجود الآن وإلى أبد الأبديين .. آمين" ([1])

*                      *                      *

إن المدقق في الحقب السابقة، وسلوك الغرب – عامة – في التعامل مع كل الآخر، يستطيع أن يفسر بوضوح شديد، هذه الحملات العسكرية والاقتصادية والثقافية، الموجهة اليوم للإسلام والعالم الإسلامي: سواء في أفغانستان أو العراق أو فلسطين أو لبنان أو السودان أو الصومال أو إيران أو سوريا.. كما يستطيع أن يتصور بيقين تام: السبب وراء جعل الإسلام والعالم الإسلامي الساحة الكبرى للمعارك والمخططات والضغوطات على السواء ..

 إن الغرب يدرك تمامًا أنه لا وجود لكيانه .. ولا استمرار لهيمنته، إلا من خلال الصراع فهو الذي يجدد حويته، ويمدد نفوذه، لهذا فهو يحافظ على استمرار وجود جبهات مفتوحة، مع كل الآخرين، وإن جعل صراعه مع الإسلام هو الصراع المركزي، كما قد توصل الغرب، من خلال صدامه مع الأمة الإسلامية، عبر التاريخ أنها أمة تحمل كل عناصر ومقومات النهوض، مهما كانت الكبوات، وأن الصحوة الإسلامية المعاصرة يمكنها أن تعيد لهذه الأمة حياتها وتجدد شبابها، وهذا هو السرّ في جعل الحرب على هذه الصحوة هي مركز الحرب على الأمة كلها.

ولقد كان أكثر ما استقر في ذهنية الغرب عبر القرون مدى قدرة الدين الإسلامي على تشكيل نفسية المقاومة لدى الأمة، ومدى قدرة الأمة على الصمود في جبهات القتال، وهما ما يحاول القضاء عليهما الآن، قبل أن يكتملا ويتكاملا على يدي الصحوة الإسلامية المعاصرة.

*                      *                      *

ولا يفوتنا أن نذكر أن العقلية الغربية المشبعة والمولعة بالصدام ما لبثت أن خرجت من الحرب العالمية الثانية، حتى ارتمت في ساحة صراع جديد طويل مع الإمبراطورية الشيوعية، والذي لم يعبر في حقيقته عن صراع حضاري (لأن الشيوعية هي ابنة شرعية للحضارة الغربية) بقدر ما يعبر عن صراع على النفوذ السياسي والمصالح الاقتصادية.

وقد لفت بعض الغربيين الانتباه إلى أن الصراع بين الرأسمالية والشيوعية برغم اتساع مساحته الزمنية والجغرافية – إلا أنه كان يدار وفق اتفاق غير مكتوب، أما الصراع مع الإسلام، فهو الصراع مع النقيض الحضاري وهو صراع مفتوح بكل ما تحمل الكلمة من معاني، فهو مفتوح من حيث النطاق الزماني وهو مفتوح من حيث النطاق المكاني، وليس أدل على ذلك من تحول الصراع مع ما يسمى بالأصولية الإسلامية، إلى حرب عالمية حقيقية!!.

ومن اللافت للانتباه أن المنطقة الإسلامية كانت من بين أهم الساحات والآليات التي استخدمها الغرب ووظفها في إدارة صراعه مع الشيوعية، حتى وقع الاتحاد السوفيتي في الخطأ الفادح واجتاح أفغانستان، فقام الغرب بدعم المجاهدين .. وتم توظيف العالم الإسلامي كله في هزيمة أكبر قوة برية في العالم، وهي الهزيمة التي كلفت الإمبراطورية الشيوعية مستقبلها.

ثم جاء الدور الآن على الإسلام والعالم الإسلامي ليصبح العدو البديل والخصم الألدّ، بل والخطر الأكبر على البشرية!! والحضارة الإنسانية!!.

وفي هذا الإطار يجري اعتبار كل مظاهر الصحوة والدعوة الإسلامية إرهابًا، وكل فصائل المقاومة الإسلامية عدوًّا استراتيجيًا، كما تم احتلال أفغانستان والعراق والصومال، وجرى تدمير لبنان ويجري حصار ومعاقبة السودان وسوريا وإيران .. كما يجري محاولات إشعال نيران الحروب بين الجماعات الإسلامية ودولها في سبيل إضعافهما وتفتيت مجتمعاتهما فيما سمي بالفوضى الخلاقة، كما تم التواجد العسكري النشط في مناطق مهمة ولاسيما الخليج العربي، وآسيا الوسطى .. وفي ضوء كل ذلك يجري تدعيم مركز ونفوذ إسرائيل في المنطقة باعتبارها رأس حربة الغرب فيها.

*                            *

4- المصالح الاستراتيجية

 وأهميتها في تشكيل عقلية الاستعمار والهيمنة

يحاول البعض تفسير النشاط الغربي على الصعيد الدولي من خلال وجهة نظر مصلحية بحتة، بمعنى أن الدافع المصلحي والحافز المادي والاقتصادي هو المهيمن على كل جوانب هذا النشاط.

بينما يحاول البعض الآخر رؤية كل الأنشطة الغربية على الساحة الدولية من خلال الدافع الديني الذي يرونه هو المحرك الوحيد للنزوع الغربي نحو الاستعمار الاقتصادي والهيمنة السياسية.

والأقرب إلى الصواب في نظرنا: هو أن المصالح الاستراتيجية هي الدافع الرئيسي لتحقيق الهيمنة الاقتصادية والسياسية بل والثقافية، وأن الدين هو الغطاء الرئيسي لحشد المجتمعات الغربية وتبرير العدوان على الأمم الأخرى.. ولهذا فإن كنا نعتقد محورية المصالح الغربية في هذا العدوان إلا أننا لا نقلل من أهمية توظيف الدين واستغلاله على نطاق واسع في ذلك.

ولكن هل يعني ذلك أن الدين له هذه الأهمية في العقلية الغربية؟

في الحقيقة أن الغرب قد كفر بالدين منذ نهضته الحديثة، بل إنه قد أقام هذه النهضة على أنقاض كل أسس الدين ومكوناته الرئيسية، فجاءت نهضته مشبعة بالمادية حتى النخاع، وليس أدل على ذلك من أن العلمانية بمعناها السياسي، والتي استبعدت أي علاقة للدين بالدولة أو الشأن العام للمجتمع هي ابنتها الأولى، وأن الشيوعية التي أنكرت وجود الله - تعالى – هي ابنتها الثانية.

ولكن الذي يحدث هو استغلال الدين في الحشد والتجبيه فضلا عن التزييف والتضليل .. كما أن لذلك أهميته إذا كان العدوان على الإسلام والمنطقة الإسلامية، التي يعد الدين أهم مكوناتها، كما أن الحشد الديني هو الذي يبرر ويبلور فكرة الثأر التاريخي من الدين الذي هدد دين الغرب ومن المنطقة التي هددت استمرار هيمنته، بل وحضوره لمرتين في التاريخ كما يقول صاحب صدام الحضارات.

والذي نقصده بأن الدين لا يمثل غير الغطاء في حملة الغرب على الإسلام:

إن الغرب في نهضته الحديثة قد استجر المكونات الوثنية الأساسية للثقافة الإغريقية والرومانية، وطمس بها معظم مكونات الدين التي كان يمكن أن توجد في هذه النهضة، ومع ذلك فهو يضطر عند مواجهة العدو الإسلامي! إلى التذرع بالدين، سواء من خلال توظيفه في تعبئة وحشد شعوبه أو بالهجوم على الدين الإسلامي ومحاولة تشويهه.

ولعل المحاولات المعاصرة والتي يتوقع تصاعدها خلال هذه الحقبة المهمة تؤشر إلى أهمية الاستعمال السلبي للدين في التعامل مع الإسلام، بمعني أن الهجوم على الدين الآخر سيكون له أهمية بالغة في هذه الحقبة، وهو يظهر في إطار مزعوم أو متوهم من الدفاع عن دين الغرب القائم بالفعل!!.

ولهذا فإذا أمكن تلمس وجود حقيقي للدافع الديني أبان الحروب الصليبية والكشوف الجغرافية، فلا يمكن بحال تصور وجود هذا الدافع حقيقة، في الحقبة الاستعمارية السابقة أو الحقبة الاستعمارية الحالية، برغم أن الأولى لم تتخل عن صحبة ومرافقة المبشرين والمستشرقين.. كما لم تعدم الثانية تحالفًا مع الكنيسة الكاثوليكية ولم تخف الأبعاد الدينية، كما ورد في تصريح جورج بوش الابن بشأن الحروب الصليبية، ولم يستطع أحد أن ينكر التحالف الوثيق بين اليمين المسيحي الأصولي وبين اليهود في الولايات المتحدة، بل إن جورج بوش الابن الذي دشن الحملة الأوسع في هذا المجال، يعلن صراحة: أنه يبدأ يومه بقراءة الكتاب المقدس الذي يشمل التوراة والإنجيل كما أنه يقرأ يوميا في البيت البيض!! كتاب القسيس "أوزو الدشاميرز" الذي مات في مصر عام 1917م، وهو يعظ الجنود البريطانيين والاستراليين بالزحف على القدس، وانتزاعها من المسلمين.

كما يجب أن نلفت الانتباه إلى أن الدين أو الأيدولوجيا التي توظف فقط لحماية المصالح غير المشروعة أو تبرير الهيمنة السياسية لا يمكن أن تكون تعبيرًا عن حقائق مطلقة.. كما أن المصالح التي تستعمل الدين لتبرير شرعيتها أو توسيع مجالها، هي مصالح تعتمد على البغي والعدوان على أوسع نطاق..

كما أن المصالح التي تعمل على توظيف الدين في التوسع، تعتمد على تحريف مضامينه وتبديل معانيه، ولعله من المهم هنا أن نرصد التوظيف الموسع للدين، من خلال تتبع

الظاهرة الصهيونية، التي استطاعت أن تقيم الارتباط بشكل وثيق بين مشروعها السياسي، والنصوص التوراتية، وهي في هذا تعبر بشكل واضح عن انتمائها العميق للحضارة الغربية وتقاليد ممارساتها السياسية، التي تأسست في أحضانها، ولعل تلك الأبعاد، تنبه إلى أهمية الدراسات التي تتوغل في فهم الثقافة الغربية، وإدراك مكوناتها الرئيسية، وصولا إلى الدوافع التي تحركها، والأهداف التي تتحرك في اتجاهها، وهو باب واسع يجب أن تتجه إليه الجهود الإسلامية المعاصرة.

*           *            *

والذي يتأمل في مسيرة دعوة التوحيد على الأرض من خلال القرآن العظيم، يجد أن محاربة منهج الإيمان ومكافحة أتباع الرسل، إنما اعتمدت إلى حد كبير على توظيف واضح للدين المزعوم أو الثقافة أو التقاليد الموروثة، في الدفاع عن النفوذ والجاه والمصالح المادية، ولهذا نجد أن التصدي لدعوة التوحيد إنما جاءت من المتضررين من تمكنها، وهم القادة والملأ والنخب في كل أمة.

ففي مكافحة فرعون وملئه لدعوة موسى - عليه السلام -: نجد الحرص الواضح والخوف الشديد على النفوذ والهيمنة والاستئثار بالموارد والتحكم في العباد، لهذا نجد الملأ من قوم فرعون يلخصون خطورة دعوة موسى في أنه يريد أن يخرج الناس من سلطان فرعون ونفوذه: (يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ فَمَاذَا تَأْمُرُونَ) الأعرف: 110.

ولما آمن سحرة فرعون، لم يجد فرعون إلا نظرية المؤامرة ليدافع بها عن نفوذه (قَالَ فِرْعَوْنُ آَمَنْتُمْ بِهِ قَبْلَ أَنْ آَذَنَ لَكُمْ إِنَّ هَذَا لَمَكْرٌ مَكَرْتُمُوهُ فِي الْمَدِينَةِ لِتُخْرِجُوا مِنْهَا أَهْلَهَا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ) الأعراف: 123.

وذلك برغم " أن هذا الذي قاله من أبطل الباطل، فإن موسى عليه السلام، بمجرد ما جاء من مدين دعا فرعون إلى الله، وأظهر المعجزات الباهرة والحجج القاطعة على ما جاء به، عند ذلك أرسل فرعون في مدائن ملكه وسلطانه، فجمع سحرة متفرقين من سائر الأقاليم ممن اختار وأحضرهم عنده، ووعدهم بالعطاء الجزيل، ولهذا قد كانوا من أحرص الناس على التقدم عند فرعون، وموسى عليه السلام، لا يعرف أحدًا منهم ولا رآه ولا اجتمع به، وفرعون يعلم ذلك وإنما قال هذا تسترًا وتدليسًا على رعاع دولته وجهلتهم" ([2]) "، ولما كانت دعوة موسى مركزة على (حَقِيقٌ عَلَى أَنْ لَا أَقُولَ عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ قَدْ جِئْتُكُمْ بِبَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ فَأَرْسِلْ مَعِيَ بَنِي إِسْرَائِيلَ )  الأعراف: 105.

"بمعنى أطلقهم من أسرك وقهرك، ودعهم وعبادة ربهم"،([3]) فإن الملأ قد وقفوا لهذه الدعوة بالمرصاد ومن ذلك ما قالوه لفرعون محرضين (وَقَالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ أَتَذَرُ مُوسَى وَقَوْمَهُ لِيُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَيَذَرَكَ وَآَلِهَتَكَ قَالَ سَنُقَتِّلُ أَبْنَاءَهُمْ وَنَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قَاهِرُونَ) الأعراف 127 "أي ليفسدوا أهل رعيتك ويدعوهم إلى عبادة ربهم دونك" ([4]) فلقد كان دين فرعون المزعوم هو غطاء لنفوذه السياسي، كما كان سبب وذريعة العدوان على الدين الجديد وهو خط الدفاع الأخير في مواجهة هذا الدين.

كما كان التبرير الإعلامي الديني حاضرًا للدفاع عن سيطرة آل فرعون، في ذات الوقت الذي يستخدم ذات الإعلام في تشويه موسى ودعوته: (فَإِذَا جَاءَتْهُمُ الْحَسَنَةُ قَالُوا لَنَا هَذِهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُوا بِمُوسَى وَمَنْ مَعَهُ أَلَا إِنَّمَا طَائِرُهُمْ عِنْدَ اللَّهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ) الأعراف 131.

*                      *                      *

وفي تصدي قوم شعيب عليه السلام لدعوته: نجد أيضًا الحرص على النفوذ والمصالح والتذرع بالدين المزعوم: فبرغم أن دعوة شعيب كانت موجهة إلى (اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ) الأعراف 85.. كما طالبهم أن يوفوا الكيل والميزان وألا يخونوا الناس في أموالهم، بأخذها على وجه البخس

(وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ قَدْ جَاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ فَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ) الأعراف: 85. ونهاهم عن قطع طريق الناس الحسي والمعنوي وذلك بتوعدهم الناس بالقتل إن لم يعطوهم أموالهم (وَلَا تَقْعُدُوا بِكُلِّ صِرَاطٍ تُوعِدُونَ وَتَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ مَنْ آَمَنَ بِهِ وَتَبْغُونَهَا عِوَجًا وَاذْكُرُوا إِذْ كُنْتُمْ قَلِيلًا فَكَثَّرَكُمْ وَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ) الأعراف: 86.

إلا أن منطق الشرك والاستكبار قد واجه هذه الدعوة بالتمسك بالنفوذ والمصالح وإن كانت غير شرعية، وقائمة على الظلم والعدوان، والتمسك بعبادة الأصنام والأوثان، التي مثلت المرجعية الدينية أو الإطار الأيديولوجي للحفاظ على النفوذ والمصالح، ثم لا يكون هذا التمسك بالباطل ورد الحق إلا على سبيل الاستهزاء (قَالُوا يَا شُعَيْبُ أَصَلَاتُكَ تَأْمُرُكَ أَنْ نَتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آَبَاؤُنَا أَوْ أَنْ نَفْعَلَ فِي أَمْوَالِنَا مَا نَشَاءُ إِنَّكَ لَأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ) ؟!  هود: 87.

فالسخرية والاستهزاء منهج ثابت في مواجهة الحق ودعوته، عسى أن يكون ذلك سببًا في تشويهها، ورسم صورة ذهنية لدى الناس، تدفعهم إلى رفضها، وهو ذات المنهج الذي يلاقيه الإسلام من أصحاب النفوذ في الغرب، والداعين إلى نظرية صدام الحضارات ليتمكن من خلالها الفكر المادي، ويبسط هيمنته على العالم.

*                              *

5- الصورة التي يجري رسمها للإسلام في الغرب

لا شك أن من دواعي تعميق الوعي بنظريات الصدام مع الإسلام، التي يروج لها بعض فلاسفة الغرب، هو رصد الصورة التي يجري رسمها للإسلام داخل مجتمعاتهم، وهي الصورة التي لم تنفصل عن صورة الإسلام في التراث الأوربي منذ العصور الوسطى، ولم تبعد عن الدراسات الاستشراقية الماكرة.

هذه الصورة هي التي يتم الدفع بها في كل جوانب المجتمعات الغربية، ولأجلها يجري نشاط مكثف خلال العقود الأخيرة ولاسيما بعد 11 سبتمبر وحتى هذه اللحظة.

فالصورة التي يجري رسمها للإسلام، هي الصورة المتوارثة، والتي تؤكد على أن محمدًا - صلى الله عليه وسلم - تعلم من راهب مرتد على النصرانية، اسمه "بحيرى" وأنه قد انقطع بجبل استعدادًا لتزوير كتاب يزعم أنه وحي!!.

وهناك من يدعي أنه - صلى الله عليه وسلم – كان كاردينالا كاثوليكيًا ولما تجاهلته الكنيسة في انتخابات البابا قام بتأسيس طائفة ملحدة في الشرق ردًّا على هذا التجاهل، فهو مرتدّ يحمل إثم إخراج نصف البشرية من المسيحية، ولا يبعد عن ذلك كثيرًا، ذلك التصوير الذي يعتمد على أن الإسلام هو دين يدعو إلى الشهوات ولا يجذب غير البسطاء ومتوسطي الذكاء!!.

ولن نستطرد طويلا في ذكر هذا الإفك والضلال المبين والعدوان الأثيم.. ويكفي أن نختمه بمقالة كبيرهم الحالي "بيندكيت السادس عشر" الذي تساءل ماذا قدم محمد من جديد!؟ إنه لم يقدم إلا أمورًا شيطانية وغير إنسانية!!.

*                      *                      *

فإذا ألقينا نظرة على المدارس ومناهج التعليم في الغرب لندرك عمق المخطط لوجدنا الآتي:-

أولا: أن التعليم في أوربا والولايات المتحدة كان يقوم به قساوسة وكان يدرس في الكنائس، وكان من بين أهم أهدافه، هو تشويه صورة الإسلام، والتحريض على إنقاذ المسلمين من الوثنية!!.

ثانيًا: أن مناهج التعليم الأمريكية لا تزال تصور الإسلام على أنه نسخة مقلدة من اليهودية والنصرانية، وأنه قد انتشر بالسيف، كما أنه يعادي ويضطهد غير المسلمين ويظلم المرأة، كما أن صلاة المسلمين وعباداتهم هي لون من ألوان الوثنية.

ثالثًا: لقد كان من نتائج هذه المناهج التعليمية: أن الأبحاث والاستطلاعات التي أجريت على الطلاب بالولايات المتحدة الأمريكية أعطت مؤشرات سلبية وعدائية بشأن الإسلام والمسلمين: فهو دين زائف .. يعوق التفكير .. ويسبب التخلف .. أتباعه مخدوعون .. يحبون الحرب بطبيعتهم!!.

رابعًا: أكدت نتائج الأبحاث والاستطلاعات التي أجريت في أوربا تشوه صورة الإسلام بشكل كبير بشكل عام، وإن تميز الألمان بالروح الصليبية تجاه المسلمين، وتميزت مناهج التعليم البريطانية بالحرص على إهمال دراسة تاريخ المسلمين، ومحاولة التقليل من شأن الحضارة الإسلامية.

خامسا: برغم ظهور بعض بوادر الاعتدال العلمي في التعامل مع الإسلام في بعض دول أوربا وأمريكا الشمالية، والتي ظهرت في عدد من الدراسات الحديثة بشأن الإسلام والمسلمين والحضارة الإسلامية، إلا أن قوى اليمين المتطرف تحاول إيقاف هذه الموجة من الاعتدال، للحفاظ على حالة التأهب كاملة داخل المجتمعات الغربية والتي تمكنهم من تكريس نظرية صدام الحضارات.. فقد هاجم صامويل هينتجتون في كتابه "من نحن؟" الصادر عام 2004م، ذلك المنهج الذي يعتمد على تدريس ثقافات وأديان أخرى، ومن بينها الإسلام والذي من شأنه أن يعمل على تفكيك الوحدة الثقافية الأمريكية!! بل إن أكثر ما أثاره وأغضبه في هذا المجال هو تدريس قصص وأبطال الأمم الأخرى، كالأمم الإسلامية!!.

6- المستشرقون الجدد.. وتصورهم للعلاقة مع الإسلام

لا شك أن أفضل ما يمكن أن يضع تفسيرًا للحقبة الغربية العدوانية المعاصرة، يجب أن يعتمد على القراءة المتعمقة لنتاج المستشرقين الجدد في الولايات المتحدة الأمريكية، لأنهم بالفعل قد بلوروا صورة شوهاء للإسلام والمسلمين، كما أنهم لم يتصوروا غير الصدام مع العالم الإسلامي وحتى النهاية!!.

وبرغم أنهم في ذلك ليسوا منفصلين عن التراث الغربي الطويل المعبأ بذات المضامين، إلا أن معاصرتهم وتأثيرهم الواضح، يلزم بضرورة الوقوف على جوانب تفكيرهم وتصورهم للعلاقة بالإسلام.

وسوف نحاول الوقوف مع هذا الاتجاه الصدامي من خلال أبرز وأهم رموزه الأمريكية: صمويل هينتجتون، وفرنسيس فوكوياما، وبرنارد لويس.

*                      *                      *

أولا : صمويل هينتجتون

يؤكد في كتابه المهم "صدام الحضارات" على ضرورة المواجهة مع الإسلام ونظرًا لأن الكتاب يمثل التيار الأهم بين النخب الثقافية والسياسية في الولايات المتحدة والتي تتحكم إلى حدّ كبير في أركان المجتمع الأمريكي، فسوف نوليه عناية خاصة ويمكن تلخيص أهم محاور الكتاب كالآتي:

1- إن الحضارات الإسلامية قد عادت تفرض وجودها بشكل تدريجي، وأصبحت تشكل تحديًا سافرًا للغرب، ولاسيما خلال الربع الأخير من القرن العشرين.

2- كما يحاول الكتاب تثبيت فرضية خطورة الإسلام، ويحرض على مواجهته، وإن أدخل الصين في هذه الحرب، إلا أن ذلك يأتي بشكل عرضي، مثل الحديث عن احتمال التحالف الصيني/ الإسلامي.

3- يصف العلاقة بالإسلام بأنها علاقة صراع وتصادم في كثير من الأحيان ويؤكد على أن المشكلة لا تتعلق بالإسلاميين - فقط – وإنما الإسلام نفسه، ولهذا فهو يطرح فكرة صدام الحضارات، من خلال فكرة العدو البديل للشيوعية.

4- يعتبر الكتاب أن السبب الرئيس لتحدي المسلمين للحضارة الغربية إنما يعود لنموهم الديموجرافي وحيويتهم وانبعاثهم الثقافي والاجتماعي والسياسي المتواصل، ورفض القيم والمؤسسات الغربية، وتوجه غالبيتهم نحو الإسلام كمصدر للهوية والتوازن والشرعية والقوة والتنمية والأمل، وذلك في إطار شعار مركزي "الإسلام هو الحل".

5- كما يعتبر أن الانبعاث الإسلامي الذي تشهده المنطقة والذي يتميز بالشمول والعمق والاتساع هو المرحلة الأخيرة لتموقع الحضارة الإسلامية بالنسبة للغرب، فهو جهد داخلي كبير يبحث عن حل إسلامي لا يعتمد على الأيدلوجيات الغربية، كما يستند إلى الإسلام كمنهج حياة ويرفض الثقافة الغربية.

6- كما يرى أن الإسلام يمتلك العديد من المخاطر على الغرب منها النمو السكاني الكبير، والثروات الطبيعية والحركية الاجتماعية التي تحدثها الحركة الإسلامية في شتى مناحي الحياة الثقافية والاجتماعية والسياسية، والتي ستؤدي إلى امتلاك زمام الحكم.

7- برغم أن المسلمين لا يمتلكون قوة عسكرية أو اقتصادية كبيرة .. وبرغم أنهم لا تتوافر لديهم دولة محورية تجمع قوى العالم الإسلامي المبعثرة، إلا أنهم يعدون أخطر من الحضارة الصينية فلقد كان الغرب دائما تحت تهديد الإسلام، كما أنه يهدده اليوم من داخله من خلال تزايد عدد المهاجرين داخل المجتمعات الغربية، والنمو الكبير لأعداد المهاجرين.

8- ويؤكد الكتاب على أن أطماع الغرب في فرض عالميته، تقوده إلى الدخول تدريجيًا في صراع مفتوح مع الإسلام والصين.

9- كما يعتقد أن ظهور حروب حدودية على المستوى المحلي بين المسلمين وغير المسلمين ستنشئ تحالفات جديدة، تؤدي إلى تصعيد العنف.

10- يروج الكتاب لأن الحضارة الإسلامية تمثل الحدود الدموية في العالم، فهي الحضارة الوحيدة - كما يعتقد – التي لها علاقات صراع مع كل الحضارات عدا الصين.. لهذا فهو يحذر من إمكانيات التحالف الذي بدأت تظهر معالمه بين الصين والإسلام في مواجهة الغرب، الذي يعد عدوًّا مشتركًا بالنسبة لهما.

11- كما يرى أن الصدامات الخطيرة المرتقبة والتي ستشكل مستقبل العالم ستكون بين الكبرياء الغربي واللاتسامح الإسلامي!! وإرادة فرض الذات الصينية، ولا يستبعد التحالف الإسلامي/ الصيني في مواجهة الغرب الذي يمثل العدو المشترك، لهذا فهو يحذر من إمكانية نقل التكنولوجيا الخاصة بالصواريخ وأسلحة الدمار الشامل إلى العالم الإسلامي عبر الصين وكوريا الشمالية، ويؤكد على خطورة التعامل بين دول هاتين الحضارتين.

12- ضرورة تنبيه الغرب إلى المخاطر التي تهدده من الداخل بسبب الانهيار الأخلاقي والانتحار الثقافي والتفكك السياسي، التي تعتبر أخطر من ضعف النمو السكاني، والركود الاقتصادي والمخدرات، كما أن العنف يتنامى داخل المجتمعات الغربية والأسرة تنهار (ارتفاع معدلات الطلاق - الأولاد غير الشرعيين – حمل المراهقات .. إلخ) كما أن المشاركة المجتمعية التطوعية تتآكل، كما يتراجع الاهتمام بالمعرفة والنشاط الفكري.. وفي الوقت الذي يرى الكتاب أن استمرار قوة الغرب مرتبطة بقدرته على مواجهة هذه المشكلات، فإنه يرى أن الشعوب المسلمة تتميز على الغرب فيها.

13- وأهم ما ينصح به الكتاب لمواصلة الهيمنة الغربية، والتصدي للانبعاث الإسلامي والحضارة الصينية الآتي:

·        حسن إدارة الاندماج السياسي والاقتصادي والعسكري بين أمريكا وأوربا وتنسيق السياسات بينهما.

·        إدماج أوربا الوسطى في الاتحاد الأوربي وحلف شمال الأطلنطي.

·        تشجيع حركة تغريب أمريكا اللاتينية، والعمل على إلحاقها بدول الحضارة الغربية.

·        السيطرة على القوة العسكرية التقليدية وغير التقليدية بالعالم الإسلامي.

·        اعتبار روسيا دولة محورية في العالم الأرثوذكسي، وتوظيفها في مواجهة الإسلام في آسيا الوسطى.

·        إبعاد اليابان عن الصين، ومنع الشعوب الصينية من امتلاك أسباب القوة العسكرية، وإدارة حرب باردة اقتصادية على الجبهة الصينية وسياسية على الجبهة الكورية الشمالية.

·        استمرار الهيمنة العسكرية والتكنولوجيا الغربية على كل الحضارات.

·        استغلال الخلافات والصراعات بين الدول الإسلامية والكونفوشية (الصينية).

·        الاستعداد الغربي لصراع مرير مع التحالف الإسلامي/ الصيني، لقهره ولو بالقوة ثم التعايش معه بعد ذلك!!.

ولا ننسى أن "هينتنجتون" قد عاد بعد 11سبتمبر، يدعو إلى إدارة حرب داخل الإسلام، حتى يقبل بالحداثة والعلمانية الغربية والمبدأ المسيحي: فصل الدين عن الدولة، ( النيوزويك/ فبراير 2002 ) وهو ما دعا إليه أيضًا "توماس فريدمان" الذي اعتبر أن الحرب الحقيقية في المنطقة الإسلامية هي في المدارس!!.

ثانيا: فرانسيس فوكوياما

وهو أحد أقطاب فريق المحافظين الجدد، والذي بشر بالهيمنة الحميدة!! للولايات المتحدة الأمريكية، وقد شغل منصب نائب رئيس دائرة التخطيط السياسي في وزارة الخارجية الأمريكية، وهو باحث سابق في مؤسسة راند البحثية الأمريكية.

 

وقد عبَّر في كتابه "نهاية التاريخ والإنسان الأخير" عن رؤية عنصرية تجاه الآخر وخاصة الإسلام، ففيه يقرر أن ما يجري الآن ليس مجرد نهاية الحرب الباردة، بل نهاية التاريخ ذاته، أي نقطة النهاية لتطور البشرية الأيديولوجي وانتشار الديمقراطية الليبرالية الغربية في العالم كله، باعتبارها الشكل النهائي للحكومة البشرية.. ويؤكد على أنه ليس في العالم المعاصر غير الإسلام الذي يطرح الدولة الثيوقراطية!! كبديل سياسي لكل من الليبرالية والشيوعية.

وقد عاد فوكوياما بعد 11 سبتمبر في مقاله "هدفهم العالم المعاصر" يتحدث عن الحداثة التي تمثلها أمريكا والغرب، والتي ستبقى القوة المسيطرة في السياسة الدولية، وأن مبادئ الغرب ستستمر في الانتشار عبر العالم .. واعتبر أن الإسلام وحده هو الذي يستعصي على الخضوع للحداثة الأمريكية والمبادئ الغربية، فهو الحضارة الوحيدة التي لديها مشاكل أساسية مع الحداثة الغربية، فالعالم الإسلامي لا يرفض - فقط - السياسات الغربية، وإنما يرفض المبدأ الأكثر أساسية للحداثة الغربية، وهو العلمانية نفسها.

كما اعتبر "فوكوياما" أن الصراع الدائر اليوم، ليس معركة ضد الإرهاب، ولكنه ضد الأصولية الإسلامية، التي تقف ضد الحداثة الغربية، وهذا التحدي هو أكثر أساسية من الخطر التي شكلته الشيوعية.

كما هاجم السلفية وأسماها الفاشية الإسلامية!! وذلك لأنها ترفض قيم الحداثة وحرض الغرب على استعمال القوة في مواجهة الإسلاميين، ووضع المجتمعات الإسلامية أمام خيارين: إما أن تصل إلى وضع سلمي مع الحداثة، وإما الدمار!!

 وبرغم الثقة المفرطة في الحضارة الغربية والتبشير بالهيمنة الأمريكية الحميدة!! .. وبرغم تحريضه السافر على العدوان على العالم الإسلامي سواء في كتاباته أو في وثيقة المثقفين الأمريكيين التي كان من أهم الموقعين عليها، إلا أن "فوكوياما" عاد في كتابه الأخير "أمريكا على مفترق الطرق" الصادر عام 2007م، ليشكك في سياسات الولايات المتحدة العدوانية، وأعلن فشل مشروع الإمبراطورية الأمريكية، وفشل نظرية الهيمنة الحميدة كما أعلن سحب تأييده لحركة المحافظين الجدد كرمز سياسي وكيان فكري:

"فقد تورطت أمريكا في حروب مفتوحة في العراق وأعادت للأذهان حرب فيتنام" كما أن "العداء للولايات المتحدة داخل المجتمعات الإسلامية، التي تضم أكثر من مليار مسلم أخذ في التصاعد" كما أن "علاقات الولايات المتحدة مع حلفائها التقليديين تتصدع" كما أن "القوى الدولية الصاعدة يتعاظم دورها على وقع تورط الولايات المتحد في حربها على الإرهاب والتطرف"

ثالثًا: برنارد لويس

وهو المستشرق اليهودي البريطاني الذي ساهم بشكل واضح في تبرير الحرب على الإسلام والعالم الإسلامي، كما أنه يعدّ أحد أهم أقطاب المحافظين الجدد المبشرين بالعولمة الأمريكية.

وفي كتابه "ما هو الخطأ الحادث في العلاقة بين الإسلام و الغرب" أكد على مقولاته بشأن الإسلام، حيث اعتبر أن "إرهاب اليوم!! هو جزء من كفاح طويل بين الإسلام والغرب، فالنظام الأخلاقي الذي يستند إليه الإسلام مختلف تمامًا عمَّا هو في الحضارة اليهودية/ المسيحية الغربية، وآيات القرآن تصدق على ممارسة العنف ضد غير المسلمين، وأن الحرب التي أعلنها الغرب بقيادة أمريكا بعد الحادي عشر من سبتمبر هي حرب بين الأديان" !!.

وفي ذات السياق العدواني المنظم جاء إعلان الولايات المتحدة الأمريكية عن مفهوم الحرب الاستباقية، التي تبرز اجتياح أي دولة في العالم، إذا رأت أن ذلك من مقتضيات الأمن القومي، والأهم من ذلك هو انحياز المثقفين الأمريكيين لهذه الرؤية.

*                                     *

7- التحالف ( الديني/ السياسي ).. المعادي للإسلام

لا يستطيع أكثر المتغافلين في هذا القرن أن يتغافل عن رؤية ذلك التحالف بين الكنائس الغربية والحملة الدولية على الإسلام والعالم الإسلامي، تلك الحملة التي تقودها الولايات المتحدة، وتسعى إلى فرضها على النظام الدولي الجديد .. كما لا يستطيع أحد أن ينكر ذلك التحالف الديني/ السياسي بين الولايات المتحدة وبين المشروع الإسرائيلي في المنطقة، ذلك المشروع الذي يمثل أهم ركائز محاربة الإسلام، كما يمثل الخنجر الغربي الرئيس في ظهر الأمة، وهو التحالف الذي يعد امتدادًا للتحالف داخل المجتمع الأمريكي بين اليمين المسيحي والصهيونية فيما تسمى بالمسيحية الصهيونية.

فالتحالف بين اليمين المسيحي واليهود داخل المجتمع الأمريكي هو الذي أسس المسيحية الصهيونية، التي ظهرت في أبرز صورها مع وصول المحافظين الجدد إلى البيت الأبيض في عهد جورج بوش الابن.

وهو التحالف الذي يجعل البعض يرى البيت الأبيض والإدارة الأمريكية ما هما إلا منفذة للإرادة الصهيونية، وخاصة في عهد جورج بوش الابن.

ويرجع الأساس الأيديولوجي الموجه لهذا التحالف، إلى اعتقاد ذلك اليمين المسيحي بعودة المسيح، والتي لن تكون إلا بعد بناء هيكل سليمان، لهذا لم تعدم سياسة أمريكية تدفع بكل قوة نحو تكريس المشروع الإسرائيلي بالمنطقة، حيث رأينا التأكيد على تفعيل عقيدة اليمين المحافظ بشأن أرض الميعاد وعودة المسيح وموقعه "هرمجدون" وفي ذات الإطار تعمقت حتمية الصراع بين الإسلام وبين المسيحية واليهودية، ذلك الصراع الذي سينتهي بمعركة "هرمجدون" التي يجب أن تقع بعد أن يكون المسلمون في أضعف حالة ممكنة حتى يتبعوا المسيح دون مقاومة!!.

وفي ذات السياق نجد تأكيدًا من مراكز الأبحاث والدراسات والإعلام التابعة لليمين المحافظ، على أن الخطر الرئيسي على المسيحية وإسرائيل، إنما يأتي من العالم الإسلامي.

وعند البحث في خلفيات هذا التحالف، نجد أن جورج بوش الابن لم يصل إلى البيت الأبيض إلا عبر هذا التحالف، والذي استطاع أن يفرض بقوة العقيدة الدينية على السياسات الخارجية للولايات المتحدة الأمريكية.

 وهو ما يمكن تبينه بوضوح من تصريحات جورج بوش الابن، كما في السياسات الأمريكية ضد الإسلام والعالم الإسلامي على مدى ولايته (2001- 2008 م):

فمنذ حملة بوش الابن الانتخابية وهو يردد: أن فيلسوفه المفضل هو يسوع المسيح، وأنه يعتقد أن المسيحية طريق الجنة الوحيد، كما أنه قد ذكر بعد دخوله البيت الأبيض: أنه يبدأ يومه بقراءة الكتاب المقدس (الذي يشتمل على التوراة والإنجيل).

ومن أهم الكتب التي يقرأها يوميًا في البيت الأبيض ـ وكأنها من لوازم الرئاسة ـ كتاب القسيس "أوزوالدشاميرز"، الذي مات في مصر عام 1917م، وهو يعظ الجنود البريطانيين والاستراليين بالزحف إلى القدس وانتزاعها من المسلمين كما أنه يعتبر من طائفة المانوية التي تعتقد في ثنائية الخير والشر، وتعمل على تنقية أمريكا والعالم من الشر!! تنفيذًا للإرادة الإلهية!!.

 كما أنه يميل إلى التفسير الديني للأحداث السياسية، فيقول: إن الإرهابيين يكرهوننا لأننا نعبد الرب بالطريقة التي نراها مناسبة.

كما أن كبير كتاب خطاباته يُعد من المسيحيين الصهاينة، لهذا رأينا خطاباته تعتمد على الرموز الموحية، فيما أسماه بالحرب على الإرهاب، مثل: محور الشر، الحرب المقدسة، العدالة المطلقة، الحرب الصليبية كما أنه يفضل استعمال مصطلح الحرية على الديمقراطية، لأن الحرية تعني مدلولا دينيًا، حيث حرية اكتشاف الرب بالمدلول التبشيري.

*                      *                      *

كما يمكن رؤية الوجه الآخر لذلك التحالف الديني/ السياسي في تنسيق السياسات المعادية للإسلام، بين إدارة بوش الابن ورأس الكنيسة الكاثوليكية، ولاسيما بعد وصول بندكت الرابع عشر.

كما أن نوعًا آخر من التحالف يمكن تبينه إذا نظرنا إلي الكاثوليكية الأوربية وهي تبالغ في دعم إسرائيل، وتهرول في مراضاة اليهود، ولعل المثال الأقرب لذلك يشير إلي المجاملات الألمانية المفرطة في عهد "ميركل"، والنفاق الفرنسي المنظم في عهد "ساركوزي"، الذي لم يستح وهو يتقدم بمشروع يلزم بأن تتضمن مناهج التعليم في فرنسا التذكرة بإبادة اليهود خلال الحرب العالمية الثانية، والذي قوبل باعتراض مؤسسات وشخصيات يهودية مهمة في فرنسا، على أساس أن ذاكرة الأطفال لا يمكن تحميلها بكل هذا العبء الإنساني المأسوي!! وهو اعتراض يدل على مكر شديد حيث كان من المتوقع أن يتسبب هذا المشروع في رد فعل عكسي تجاه اليهود، وليس كما يتصور ساركوزي، الذي أعلن في ذات الوقت (فبراير2008م) أنه لن يصافح أي شخصية لا تعترف بإسرائيل!!.

                                  *                                      *

8- من الذي يقود الغرب الآن ؟.. وإلي أين؟

وبرغم أن الولايات المتحدة الأمريكية هي التي تقود الغرب المعاصر في حربه علي الإسلام، إلا أن هذا المشهد يخفي خلفه عددًا من التكوينات والخلافات والصراعات، التي يجب الإلمام بها.. لكن أهم ما يجب أن نتعرض له تحت هذا العنوان هو: دراسة التكتل الذي يقف مع الولايات المتحدة في خندق واحد (عقائدي وعرقي وسياسي واستراتيجي) والذي نقصده بهذا التكتل هو التجمع الخماسي ذو المذهب البروتستانتي والعرق الانجلوساكوني، والذي يتكون من: الولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا وكندا واستراليا ونيوزلندا.

 هو تكتل مغلق يرفض أن يعترف بمزاياه وخصائصه لأي مذهب أو عرق آخر، لهذا لا نجده يعترف بهذه الخصوصية للألمان أو الدول الاسكندنافية، برغم أنهم على المذهب البروتستانتي لأنهم في الحقيقة ليسوا على العرق الانجلوساكسوني، كما لا يعترف بهذه الخصوصية لأيرلندا برغم أنها تنتمي لذات العرق الانجلوساكسوني، لأنها في الحقيقة كاثوليكية.

وقد بدأت تظهر العقيدة البروتستانتينية كقوة مؤثرة على الساحة الدولية منذ تحكمها في شمال غرب أوربا ثم انتقالها إلى القارة الأمريكية .. ثم بدأت القيادة للمذهب (البروتستانتي) والعرق (الانجلوساكاسوني) تتبلور منذ توحد بريطانيا وتحولها إلى إمبراطورية كبرى على مدى القرن التاسع عشر والعشرين.

وبعد الحرب العالمية الثانية بدأ التآكل يدب في أوصال الإمبراطورية الكبرى وأخذت قوتها ونفوذها في التراجع، في ذات الوقت الذي كان نفوذ الولايات المتحدة يتصاعد وقامت بالفعل بتسلم ذمام القيادة من بريطانيا، ومازالت تقود المذهب والعرق من خلال ذلك التكتل الخماسي ومن خلاله تقود العالم الغربي كله.

وحتى يتم تصور طبيعة الساحة الدولية وخريطة الصراعات في ظل قيادة الغرب المعاصرة، أي البروتستانت الانجلوساكسون، أو ما يسمى بالمسيحية المحاربة لابد من الوقوف على أهم المكونات العقدية لها، والتي يمكن إيجازها كالتالي:

1-  يعتبر الاعتقاد بعودة المسيح هو مركز العقيدة البروتستانتية.

2-  يعتبر تجمع اليهود في فلسطين، وبناء هيكل سليمان، هو المقدمة الضرورية لعودة المسيح، لهذا نجد أن الدور الأبرز لتمكين اليهود في فلسطين، إنما كان على يد بريطانيا، التي أعطت اليهود وعد بلفور عام 1917م.

3-   الاعتقاد بحتمية الصراع بين المسيحية واليهودية وبين الإسلام، وهو الصراع الذي سينتهي بمعركة "هرمجدون".

4-  الاعتقاد العام بأن إشعال الحروب هو هدف من أجل عودة المسيح.

5-  الاعتقاد بأن المسلمين سيتبعون المسيح عندما يكونون في أقصى درجات ضعفهم.

هكذا نجد هيكل القوة في الغرب يتجه إلى قيادة بروتستانتية/ الانجلوساكسونية وأن خريطة الصراع تتشكل في اتجاه إلغاء الوجود الإسلامي من خريطة العالم وصدق الله العظيم إذ يقول:

(يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ وَلَا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ) البقرة: 217.

(مَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَلَا الْمُشْرِكِينَ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْكُمْ مِنْ خَيْرٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَاللَّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ) البقرة: 105.

 (وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) البقرة: 109.

 

9- طبيعة التحالف الغربي المعادي للإسلام

وإذ كنا قد رصدنا مركز القيادة الغربية المعاصرة المعادية للإسلام، فإن الواجب يقتضي أن نرصد أيضًا طبيعة التحالف الغربي الموسع الذي يحارب الإسلام، والذي يمكن تقسيمه إلى قسمين رئيسيين:

الأول: التكتل البروتستانتي الانجلوسكاني السابق الإشارة إليه.

الثاني: الاتحاد الأوربي (الكاثوليكي/ البروتستانتي)، والذي يتميز بعداء واضح للإسلام ربما يكون أهم ما يجمع الاتحاد مع التكتل الأول، فقضية العداء للإسلام تستهوي الغرب بشتى صوره، وبكل تناقضاته وتفريعاته.

ونظرًا لأن الحرب على الإسلام والعالم الإسلامي، تكاد تكون هي محور النشاط الدولي الحالي، ولاسيما بعد 11 سبتمبر، فإن دراسة هذا النشاط ستقود حتمًا إلى دراسة المكونات الرئيسة للتحالف الموسع المعادي للإسلام، وأهم ملامحه، وأهم توجهاته.

والبداية الصحيحة لهذه الدراسة يجب أن تبنى على أن هذا التحالف الموسع الذي يجري تجييشه لمحاربة الإسلام، ليس تحالفاً متماسكًا، بل إنه يحوي بين جنباته تناقضات هائلة، ولكنه حتى الآن ينجح في توظيفها وتوجيهها في إدارة صراعاته الخارجية.

وهذه البداية كما تكشف ساحة المعركة بوضوح، فإنها تنبئ عن الإصرار الغربي على الهروب إلى الأمام، وهو ما يعكس طبيعة النفسية الغربية المفعمة بالصراع والتي تتصور انهيارها وفناءها إذا لم يكن هناك ثَّم عدو.

ولهذا فإن البحث عن العدو البديل كان يجري على مرأى من العالم، حتى قبل انهيار الاتحاد السوفيتي.. صحيح أنه لم يكن العثور عليه صعبًا، لكن اللافت للنظر ذلك الإجماع الغربي على ضرورة وجود هذا البديل، وكان اللافت للنظر بشكل أكبر هو التوجه الغريزي صوب الإسلام، باعتباره ذلك البديل!!.

هذا التوجه الغريزي لا يمكن تفسيره دون الخوض في أعماق الثقافة الغربية ومكوناتها الأساسية بشأن الإسلام، كما لا يمكن الإحساس بعمق وجوده داخل الكيان الغربي، إلا بدراسة تاريخ العلاقة بين الغرب والإسلام، والذي يكشف بجلاء خوفًا حقيقيًا من قيم الإسلام، قبل الخوف من نفوذه السياسي أو قوته العسكرية وهو خلاف تظهر مكامنه بوضوح عند حرص الولايات المتحدة على أن تكون الطرف الفاعل، حتى في صياغة أمن أوربا، كما رأينا في "داتيون"، وكما يتم نشر شبكة الصواريخ في بولندا وتشيكيا، وكما في تدخلها الواضح في دعم استقلال كوسوفا.

لهذا وقع الاختيار على الإسلام ليكون عدوًا بديلاً ولتبرز من خلال محاربته كل عناصر التوافق بين مكونات الغرب المتنافرة، وكل إمكانياته ومراكز نفوذه المتصارعة، ولا تزال تجري إدارة الحرب بهذه الاستراتيجية وبخطوات جادة وسريعة حيث يجري استنفار كل مراكز الإحساس ومظاهر الحياة داخل المجتمعات الغربية، وحتى تنهض لمحاربة المسلمين، الذين يعبرون البحر الأبيض المتوسط والمحيط الأطلنطي بخيولهم!! ويدقون أبواب أوربا وأمريكا بسيوفهم!!

فإذا كان الغرب لا يتصور استمرار وجوده بغير هذا الصراع!! وإذا كان الإسلام هو الخصم الحقيقي والمهدّد الأبرز لاستمرار هذا الوجود، فلما لا تكون حربًا مفتوحة مع هذا الخصم؟ يتم من خلالها: الحفاظ على تماسك الغرب، كما يتم تطوير هيمنته، وفي ذات الوقت يتم من خلالها إضعاف نفوذ الإسلام إلى أقصى درجة.

                                   *                     *

ولكن هل ممكن حقيقة أن يختفي وراء دخان هذه الحرب ملامح ومقسمات مديريها؟ أم أننا يمكن أن نميز بين مراكز قيادة لهذه الحرب وبين أطراف وهوامس .. كما نميز بين سياسات متعارضة وطموحات متنافسة وأهداف متقاطعة.

الحقيقة أن كل ذلك وارد بشكل كبير .. ولكننا سنلفت الانتباه فقط إلى أهم المتناقضات التي تبدو قاعدة مناسبة لهذه الرؤية:

أولاً: يعتبر الخلاف العقائدي بين البروتستانت والكاثوليك من الخلافات المهمة التي تشق ذلك التحالف الموسع للإسلام، وهو خلاف يبدو في تخوف أوروبي من هيمنة أمريكية تحيل أوربا إلى مجرد ولاية أمريكية، كما يبدو في درجة الحماس التي تبديها دول أوربا الكاثوليكية للانخراط في الحملات الأمريكية سواء في العراق (التي انسحبت منها أسبانيا وإيطاليا الكاثوليكيتان) أو في أفغانستان التي تقاتل فيها القوى الأوربية الكاثوليكية بضغط ودفع خلفي أمريكي.

ثانيًا: الخلاف السياسي والأمني والاستراتيجي عبر الأطلنطي بين أوربا والولايات المتحدة الأمريكية:

وهو خلاف تتضح أهم معالمه إذا دققنا النظر في المحاولات المستميتة للولايات المتحدة بكل القرارات الدولية، ومن ثم الإمساك بتلابيب النظام الدولي، وفي الوقت التي ترغب أوربا أن تكون لها نصيب في إدارة هذا النظام ومن خلال ما سمي بمجلس إدارة عالمي.

وهو خلاف تؤكده وتدعمه مخاوف أوربية من سعي أمريكي حثيث نحو بناء إمبراطورية عظمى تكون أوربا أحد محمياتها.

 وهو خلاف ينشط بين الحين والآخر عندما تستدعي الضرورة تدخلاً في مناطق الصراع المهمة في العالم:

 فصراع الشرق الأوسط لا يزال يشهد رؤيتين متعارضتين، برغم تغلب الرؤية الأمريكية على طول الخط إلا أن أوربا تحافظ على صورة المعارض، مهما تميزت معارضتها بالأدب الشديد!! كما أن غزو العراق الذي اعتبرته أوربا تطويقًا لمصالحها البترولية، وتكريسًا لنفوذ أمريكي مطلق على منابع البترول في العالم، وذلك بعد سيطرته وتواجده العسكري في وسط آسيا، لم تستطع أن تمرره دون صخب ملأ أرجاء العالم، ولكن ماذا يفيد الصخب؟ سوى أنه أحرج العالمين العربي والإسلامي الذي لم يُبد قدرًا من الاعتراض يذكر، سواء على المستوى الرسمي أو الشعبي، باستثناء المقاومة العراقية التي مسحت ولا تزال قدرًا غير يسير من العار الذي لحق بالعالم الإسلامي، جراء استسلامه لهذا الغزو الهمجي الجنوني المهين.

وهو خلاف يبرز من خلال مشروع (الشرق أوسطية) الذي تدعمه الولايات المتحدة وإسرائيل، وتدفعان باتجاهه بكل طريق والمشاريع (المتوسطية) التي تدعمها أوربا وتدفع باتجاهها بكل وسيلة.

وهو خلاف يتصدر دوائر التجارة الدولية والتنافس على الأسواق، والذي يظهر في حروب متتالية، كما رأينا في حرب الموز ومعركة الحديد، والصراع حول دعم المزارعين، وهو خلاف يظهر في التشققات الواضحة في جدران أهم بناء عسكري غربي، حيث حلف "الناتو"، فالحلف يعاني أزمات حادة، ولاسيما تلك المتعلقة بأدواره غير الدفاعية.

فإذا أضفنا إلى التحالف الغربي المعادي للإسلام، تلك الدوائر الأوسع التي تحاول الولايات المتحدة أن تحشدها لمحاصرة الإسلام والعالم الإسلامي، أو تحشرها في الحرب الدولية على ما يُسمى بالإرهاب، لوجدنا أن المسافات بين مكونات هذا التحالف تتباعد، وأن التناقضات بينهما تتعمق.

فإذا كانت الولايات المتحدة قد نجحت في فرض حربها على الإسلام على أولويات النظام الدولي كله، وذلك من خلال إيهام العالم بأن الإسلام هو الخطر الأكيد على الحضارة الإنسانية!!. فإنها تأمل من وراء ذلك في حشد كل القوى الدولية في خطة استهداف الإسلام، وهو ما يلاحظ من خلال السعي الأمريكي الدؤوب تجاه روسيا والصين واليابان والهند، بل وأفريقيا جنوب الصحراء .. كما يلاحظ في كتابات أهم مفكري وفلاسفة الحملة الأمريكية، إن الملاحظة الدقيقة لطبيعة هذه التحالفات المتعددة المستويات والمتنوعة أيديولوجيًا وسياسيًا واستراتيجيًا توجب الآتي:

1-  لابد أن يدرك العالم الإسلامي أهمية العمل على تفكيك هذه التحالفات وذلك بالتعامل النشط مع تناقضاتها الثقافية والاقتصادية والسياسية والعسكرية والاستراتيجية، وإعطاء إشارات إيجابية للقوى الدولية المتضررة من العولمة الغربية أو تلك المتضررة من هيمنة القطب الواحد.

2-  ولابد خلال ذلك السعي، أن يكون مدركًا مدى قدرة الولايات المتحدة على إدارة التحالفات ومرونتها الكبيرة في تغيير التحالفات حسب طبيعة كل مرحلة وظروف كل معركة.

3-  لابد من التأكيد على الدور الإعلامي الإسلامي الذي يرسم ويؤسس ويوضح أبعاد وأهداف ومشروعية المقاومة الإسلامية .. وخاصة ونحن نرى حملات متواصلة تحاول تصوير الإسلام عدوًا لكل الحضارات!! فهم يحاربون اليهود في فلسطين! والأرثوذكس في الشيشان! والصومال! والهندوس في كشمير! والكاثوليك في الفلبين! والكاثوليك والبروتستانت في أفغانستان والعراق!! وهكذا يتم تصوير الأمة كوحش كاسر يعتدي على الآخرين دون مبرر، بينما تتعرض الأمة في حقيقة أمرها لأبشع عدوان يعرفه العالم المعاصر.

4-  لابد من الوقوف الإسلامي الحاسم، من أصحاب الفقه والنفوذ الإسلامي، أمام كل الممارسات الإسلامية، ولاسيما القتالي منها، والتي تصب في اتجاه تبرير وتسويغ نظرية صدام الحضارات، والتي لن يستفيد منها سوى النخب الغربية والدينية والسياسية والثقافية .. بل لابد من القبول بالدعوة إلى حوار الحضارات في إطار الدعوة للإسلام والدفاع عن ثوابته ونزع الغطاء عن دعاة الصدام في الغرب، علمًا بأن الغرب حقيقة هو الذي يرفض الحوار ويتحرك بقوة تجاه الصدام لأنه يحقق مصالحه، كما أنه يعكس خوفًا حقيقيًا من حجة الإسلام وقوة منطقه، كما يعكس تعاليًا، وغرورا حضاريا لا مبرر له... ولن نبعد كثيرا إذا علمنا أن دعوة 138 عالمًا ومفكرًا إسلاميًا إلى الحوار بمناسبة عيد الأضحى قد ردت عليها الكنيسة الكاثوليكية ( فبراير/ 2008) بأن المسلمين يعتقدون أن القرآن لا يحتمل الخطأ أو أنه غير قابل للنقاش.. وهو ما يعني رفض الحوار أو وضع شروط مسبقة تقتضي تسليم المسلمين بإمكانية تعرض القرآن للنقد والتخطئة.

5-  لابد من الإدراك الكامل بأن معركة الإسلام مع الغرب المعاصر ليست فحسب معركة عسكرية ولا صراعًا اقتصاديًا ولا تنافسًا على التقنية المادية، بل هي في المقام الأول معركة قيمية بكل ما تحمله الكلمة من معان، فلا يتصور بحال أن نلاحق فضلا عن أن نسابق الغرب في منجزاته المادية، ولكن الذي نسبق فيه بالفعل ونتفوق فيه على الغرب بشكل كامل هو مجال القيم والعقيدة والمنهج والأخلاق، وكلما أمكن أن نستدرج الغرب إلى هذا المجال، كلما تأكدنا من حسم الصراع لصالحنا .. مع التأكيد على أن كل المحاولات لحسم الصراع الحضاري مع الغرب في الأطر والمجالات المحدودة: السياسية أو الاقتصادية، ما هو إلا تضليل للأجيال وتزييف للحقائق.

                            *                              *

10- أهم الاستراتيجيات الغربية المعاصرة الموجهة للإسلام والعالم الإسلامي

 

     لا شك أن القيادات والنخب الغربية (السياسية والدينية والثقافية) تدير اليوم معركة شاملة مع الإسلام.. ولا شك أن الزعامة الحالية للغرب هي بيد الولايات المتحدة الأمريكية، لهذا فإن الحرب الغربية المعاصرة على الإسلام تصطبغ بالصبغة الأمريكية، وإن لم تخل من رصيد التجارب العدوانية الغربية على الإسلام على طول تاريخ الصراع بينهما، ولكن في ضوء: أن العقلية الأمريكية المتغطرسة والمتعالية، حتى على أوربا، التي تسميها القارة العجوز، تأبى إلا أن تدير المعركة بطريقتها الخاصة وأسلوبها المميز!!.

لهذا فإن تتبع ودراسة أهم الاستراتيجيات الغربية المعاصرة الموجهة للإسلام يجب أن تنطلق من دراسة شاملة وموسعة للرؤى الأمريكية الخاصة بشأن الإسلام وبشأن التعامل معه، لأنها في الحقيقة هي التي تقود المعركة الحالية، وإنه في حال تعارض الرؤى الأمريكية مع الرؤى الأوربية، فإن الأولى هي التي تتغلب، أما عن أهم ملامح الرؤيتين فيمكن الوقوف عليها من خلال النقاط التالية:-

1-  العمل على تغيير اجتماعي شامل داخل المجتمعات الإسلامية من خلال آليات التعليم والإعلام والثقافة والشئون الدينية، ومنظمات المجتمع المدني والتشريعات الوضعية.

2-   العمل على تشويه صورة الإسلام، والتشكيك في ثوابته، وبناء إسلام جديد يتماشى مع الثقافة الغربية.

3-  العمل على بناء نماذج سياسية للإسلام العلماني أو الإسلام المدني، وبالأخص في تركيا وإندونيسيا والمغرب، وتوظيفه سياسيًا، على المستوى الداخلي حيث يكون نموذجا للحركات الإسلامية إذا أرادت الحياة .. وعلى المستوى الخارجي حيث يتم تمرير المخططات الدولية من خلاله، وتسويغ قبول التطويع للإرادة الأمريكية، فضلاً عن تحسين سمعة الولايات المتحدة التي تضرّرت داخل المجتمعات الإسلامية بصورة غير مسبوقة.

4-  العمل على تشويه صورة المسلمين وإلباسهم ثوب العدوانية والوحشية في التعامل مع غيرهم، وذلك في إطار مخطط يبرر الحشد ضدهم والعدوان عليهم.

5-  اختزال الشرعية الدولية في مفهوم الحرب على الإرهاب وفق الرؤية الأمريكية، وذلك لاستخدام العالم في الحرب على الإسلام والعالم الإسلامي والصحوة الإسلامية، وإقامة تحالفات موسعة لذات الغرض.

6-  اعتماد حرب دولية طويلة المدى (فيما سمي بالحرب الباردة الجديدة) تجاه الحركات والفصائل الإسلامية، بهدف تقويض الصحوة الإسلامية المعاصرة وإنهاء نفوذها المتصاعد.

7-  إدارة حرب داخلية بين الحركات الإسلامية، على أسس دينية واستخدامها في تفكيك وتبديد هذه الحركات.

8-  الاستناد إلى فكرة محاربة الجماعات الصدامية لتبرير الحرب على كل الجماعات الإسلامية، وتحريض الأنظمة الحاكمة في العالم الإسلامي عليها.

9-  اعتماد استراتيجية تفكيك الحركات الإسلامية المقاومة والعمل على محاصرتها بشتى السبل، وهو ما يعكس الإدراك المتنامي بمستقبلها السياسي، الذي يمكن أن يعيد صياغة خريطة المنطقة الإسلامية سياسيًا وأمنيًا واستراتيجيًا.

10-                 توظيف ما يُسمى بالحرب الدولية على الإرهاب والتطرف للتواجد العسكري في المناطق الاستراتيجية المهمة، فالوجود بالعراق يؤمن وجودًا قويًا بمنطقة الخليج، والوجود بأفغانستان يؤمن وجودًا قويًا بآسيا الوسطى، وهما من أهم المناطق التي تحقق السيطرة على العالم الإسلامي، فضلاً عن النفوذ الدولي المفتوح لامتلاكهما لأكبر احتياطي نفطي عالمي.

11-                 العمل على مصادرة وتجميد الأموال الإسلامية والتي يمكن أن تعمل على دعم الصحوة الإسلامية المعاصرة، ومصادرة كل ما يؤدي إلى ذلك، بما في ذلك الجمعيات الخيرية الإسلامية.

12-                 استغلال الحرب الدولية على الإرهاب لإضعاف العالم الإسلامي، وتدعيم مواقف كل أعداء الأمة المشتبكين معها، كما نرى في فلسطين ولبنان وكما يجري في كشمير والشيشان والفلبين .. وكما وقع في الصومال.

13-                 استمرار الضغط على النظم السياسية بالعالم الإسلامي لاتخاذ مواقع حيوية في هذه الحرب، وتشجيع وتحفيز بعضها بالمزايا الاقتصادية أو الاستراتيجية أو الأمنية.

14-                 العمل على إضعاف المؤسسات الجامعة بالعالم العربي والإسلامي، مثل الجامعة العربية ومنظمة المؤتمر الإسلامي، وذلك في إطار السعي لبناء نظام شرق أوسطي يكون لإسرائيل فيه النفوذ الرئيس أو نظام أورو متوسطي أو اتحاد متوسطي يتضمن الاعتراف العربي والإسلامي بإسرائيل والتطبيع معها، كما يقسم العالم العربي.

15-                 بناء نظام إقليمي تقوده الولايات المتحدة وإسرائيل وبعض الدول العربية، بذريعة محاربة الإرهاب والتطرف.

16-                 الحيلولة دون امتلاك العالم الإسلامي لأي سلاح متطور أو قادر على تحقيق التوازن الاستراتيجي في مواجهة إسرائيل والمشروع الأمريكي بالمنطقة، وخاصة السلاح النووي.

17-                 السيطرة على منابع البترول لمنع العالم الإسلامي من توظيفها في إحداث أي نوع من أنواع التوازن الاستراتيجي الاقتصادي أو التجاري أو السياسي .. وإن تمت هذه السيطرة بذرائع متنوعة منها الحرب على الإرهاب كما رأينا في أفغانستان وآسيا الوسطى ومنها الحماية ضد مخاطر الإرهاب كما يجري بالسعودية.

18-                 استعمال القوة العسكرية والتحريض على استعمالها، وكذلك الضغوط الاقتصادية والسياسية لإسقاط أي نموذج إسلامي للحكم كما جرى في أفغانستان والشيشان والصومال، وكما يجري مع السودان وحماس وإيران.

19-                 العمل على تفكيك البنية الأساسية للمجتمعات الإسلامية باستعمال الصراعات الطائفية والعرقية، وإشعال الصراعات الحدودية التي يمتلك العالم الإسلامي منها النصيب الأكبر.

20-                 وضع القيود أمام هجرة المسلمين إلى الغرب، على أساس خطورتهم على المجتمعات الغربية ثقافيًا وسياسيًا، والعمل على إضعاف الوجود الإسلامي للمهاجرين داخل المجتمعات الغربية ..

*                                         *

11- أهم السياسات الإسلامية اللازمة لمواجهة

 الحرب الغربية المعاصرة على الإسلام

 

     بداية لابد وأن نقرر أن الأمة الإسلامية برغم وضعيتها الراهنة، إلا أنها تمتلك كل عوامل الثبات، وكل عناصر النصر، كما يجب ألا ننسى، بل وأن يكون حاضرًا أمامنا دائمًا: أن هذه الأمة قد استطاعت أن تلحق الهزيمة بالغرب، عقديًا وقيميًا ومنهجيًا، على طول تاريخ العلاقة بينهما، وأنها قد استطاعت أن تلحق هزائم حازمة على المستوى العسكري لمكونات الغرب الرئيسية في فترات متعاقبة.

فقد استطاعت الأمة أن تهزم الحملات الصليبية الأوربية الكاثوليكية بعد جهاد طويل، كما هزمت الإمبراطورية البيزنطية الأرثوذكسية وفتحت القسطنطينية، وها هي اليوم تواجه ببسالة الحملات الصليبية البروتستانتية بقيادة الولايات المتحدة التي تدير معركة الغرب ضد الإسلام .. ولن يكون لها من رصيد أفضل من سابقيها.

أما عن أهم المبادئ والقواعد والسياسات التي يلزم العمل من خلالها للتصدي للحملة الغربية المعاصرة، فيمكن أن نضع نواتها كالتالي:

أولاً: لابد من التأكيد على ضرورة إعادة بناء الأمة على أساس أنه لن يصلح حالها إلا بما صلح به أولها عقديًا ومنهجيًا وسلوكيًا، مع التأكيد على أن الميزة التي تمتاز بها الأمة على مخالفيها، والسبب الرئيسي لتفوقها على غيرها، إنما يرجع إلى العقيدة والقيم ولهذا تصبح محاولة اللحاق بالغرب ماديًا (تقنيًا أو عسكريًا) واعتباره مجال الصراع وسبب الانتصار هو تزييف للوعي وتضليل للأجيال وتسابق في غير ميدان، فضلاً عن أن إمكانيات اللحاق بالغرب ماديًا مستحيلة .. وعلى هذا كلما أمكن جر الغرب إلى ساحة العقيدة والقيم، كلما تأكدنا من حسم الصراع لصالحنا، وكلما استطاع الغرب أن يحيل هذا الصراع إلى معركة عسكرية أو اقتصادية أو تكنولوجية كلما ضمن فيها التفوق بامتياز.

ثانيًا: نظرًا لأن المعركة التي يديرها الغرب ضد الإسلام تعتمد على نظرية صدام الحضارات وأن الإسلام لديه طاقة عدوانية بشأن غير المسلمين، وإنه يستبيحهم ولا يجعل لهم حرمة، فإن واجب الوقت يقتضي تبني نهج حوار الحضارات، وأن أهم ما يمكن إبرازه هو نظرية الإسلام ومنهجه العلمي والعملي في التعامل مع غير المسلمين (الذميون والمعاهدون والمستأمنون والحلفاء والمحاربون) والذي يتضمن أرقى قواعد عرفتها البشرية في التعامل مع المخالفين في العقيدة وعلى أساس العقيدة.

ثالثًا: التأكيد على أهمية تأسيس منابر عالمية للدعوة الإسلامية، حيث قد أصبحت الدعوة هي أقوى أسلحة الإسلام الاستراتيجية في ظل ما يشهده عالم اليوم من الانهيار القيمي والعقدي والمنهجي والتردي الأخلاقي والسلوكي وهو نتيجة مباشرة لسيادة حضارة الغرب المادية.

رابعًا: ضرورة طرح رؤية إسلامية ثقافية مضادة للطرح الغربي بشأن الإسلام، والذي يعتمد على تشويه كل جوانب الثقافة الإسلامية، فالمرأة على سبيل المثال التي يرى الغرب أن الإسلام قد هضمها حقوقها وعزلها عن أي دور فعال في المجتمع .. نجده في الحقيقة قد كفل حقوقها بما يضمن ويؤمن أداء دورها بكفاءة وفاعلية، وبوأها موقعًا في المجتمع لم تعطه في ثقافة أخرى.. كما أن هذه الرؤية يجب أن تفضح الجناية الكبرى التي ارتكبتها الثقافة الغربية بشأن المرأة وكيف أنها قد حطت بها عند أدنى درك العبودية، ولم تحقق لها حتى الآن أي صورة من صور المساواة المدعاة، أما الحجاب الذي تراه الثقافة الغربية شكلا من أشكال القمع والكبت، الذي يمارس ضد المرأة، نجده من أبرز صور التكريم التي لم تجعلها - كما في الثقافة الغربية - مجرد سلعة مباحة أو مشاعًا!! حتى دونما ثمن!! وإعادتها من جديد إلى ما هو أبشع من عصر الرقيق.

خامسًا: لابد من فتح الباب على مصراعيه، لكشف حقائق عدوانية الثقافة والسياسة الغربية، إذا ما قورنت بالإسلام وهو ما يحتاج إلى قراءات تاريخية موسعة، فضلاً عن الدراسات الفكرية والمنهجية.

سادسًا: لابد من التصدي الفقهي والفكري والعقدي لكل مظاهر الخضوع والتقليد المزري داخل مجتمعاتنا لحضارة الغرب، وكل صور وأشكال تسويغ التبعية أو العمالة.

سابعًا: ضرورة نشر الوعي بالفصل بين النخب الغربية المعادية للإسلام، سياسية أو دينية أو ثقافية، وبين الشعوب الغربية التي يجري إقحامها في معركة لم تشأ خوضها.

ثامنًا: العمل على تحييد القوى الدولية المتضررة من هيمنة القطب الأوحد والتي يجري دفعها لإعلان الحرب على الإسلام، بل والسعي لإقناعها بإمكانية وأهمية التحالف مع العالم الإسلامي.

تاسعًا: التعامل الواعي والمرن مع تناقضات التحالف الغربي المعادي (الدينية والثقافية والسياسية والاقتصادية والاستراتيجية) وربما يدخل في هذا الإطار الانتقال من التعامل مع الدولار، الذي أصبح عملة حربية بامتياز، إلى التعامل مع اليورو، علما بأن مساحة التناقضات داخل التحالف الغربي تطرح هذه الرؤية بوضوح، وتلح عليها فالدول الكاثوليكية الأوربية تختلف عن الدول البروتستانتية، والدول البروتستانتية غير الإنجلو ساكسونية، تختلف عن الدول البروتستانتية، وهم جميعًا يختلفون عن الدول الأرثوذكسية التي تتزعمها روسيا، التي لا يمكن بحال اعتبارها جزءًا من التحالف الغربي كما يجب أن يكون حاضرًا في هذا المجال خبرة الدولة العثمانية التي تعاملت بذكاء مع تناقضات روما الكاثوليكية والدولة البيزنطية الأرثوذكسية، حتى فتحت القسطنطينية، بل واستمر زحفها داخل القارة الأوربية مستفيدة من الصراع السياسي بين ملوك فرنسا وإنجلترا وأسبانيا وكذلك الخلاف بين الكاثوليك والبروتستانت.

عاشرًا: لابد من التحرك النشط والفعال تجاه المؤسسات الإقليمية والدولية، الحكومية وغير الحكومية، لكشف الحجم الهائل للعدوان الجاري على الإسلام والعالم الإسلامي والعمل على وقفه أو إدانته.

الحادي عشر: العمل على بناء موقف إسلامي جامع يوظف الحكومات والمؤسسات والحركات الإسلامية والوطنية بالعالم الإسلامي للدفاع عن الإسلام والمنطقة الإسلامية.

الثاني عشر: العمل على تعبئة الشعوب الإسلامية وتحضيرها على ساحة الصراع الدائر وتأهيلها للقيام بأدوار رشيدة في هذه المعركة.

الثالث عشر: التركيز على أولوية المقاومة الإسلامية، في جبهات القتال المفتوحة، مع بذل الجهد الكافي لترشيد ممارساتها، حتى لا تستخدم من قبل فلاسفة الغرب في تبرير دعوة صدام الحضارات، وحتى تتمكن من وقف وإفشال المشروع الأمريكي/ الإسرائيلي بالمنطقة.

الرابع عشر: التأكيد على أهمية دور الجاليات الإسلامية في التأثير على الشعوب والحكومات الغربية تجاه الأمة الإسلامية وقضاياها، فضلا عن دورها تجاه الإسلام ذاته.

الخامس عشر: تأجيل هدف الدولة الإسلامية، الذي أصبح أهم خصوم الحملة الأمريكية العاملة على استفزاز العالم تجاه الإسلام.. وتقديم أولوية بناء المجتمعات، وذلك حتى تتقهقر الولايات المتحدة عن الانفراد بالقيادة العالمية، والتي لم تعد بعيدة، ذلك لأن كل أقطاب ومكونات المؤامرة الدولية الحالية، ترصد تحول النشاط الإسلامي في أي بقعة من بقاع العالم إلى دولة، وعندها تتوافر آليات أكبر لإجهاضها وإفشالها – ولا يخفى على المراقبين في هذا المجال والمتابعين للتجارب الإسلامية المعاصرة، أن نجاح الدعوة قد يكون في بعض الأحيان، أقوى من نجاح الدولة وأن السلطة (كما حدث في السودان باعتراف أهم قادتها) قد اختصمت من رصيد الدعوة ولم تحقق الأهداف العامة والمقاصد الشرعية المبتغاة من ورائها.

وهكذا نرجو أن نكون قد وقفنا على أهم المحاور التي تحدد تصور القيادات الغربية والنخب الفكرية هناك للإسلام، وطبيعة العلاقة مع المنطقة الإسلامية، وهو تصور نرى أن الوقوف عليه قد أصبح على درجة عالية من الأهمية، لبناء تصور صحيح للعلاقة مع الغرب والذي بدونه تظل المسيرة خبط عشواء، مهما كانت الانجازات والنجاحات التي تتحقق خلالها.

د/ طارق الزمر

رجب / 1429 ﻫ

حاصل على:

·        ليسانس الحقوق من جامعة القاهرة

·        إجازة تجويد القرآن الكريم من معهد القراءات بالقاهرة

·        دبلوم الدراسات العليا في الشريعة الإسلامية

·        دبلوم الدراسات العليا في القانون العام

·        دبلوم الدراسات العليا في القانون الدولي

·        دبلوم الدراسات العليا في العلاقات الدولية

·        دكتوراه في النظم السياسية والقانون الدستوري

 

 



[1] ـ محمد أحمد باشميل / القادسية ومعارك العراق – دار التراث – القاهرة – ص: 271.

 
[2] ـ ابن كثير (2 / 52).
[3] ـ ابن كثير (2/48).
[4] ـ ابن كثير (2/52).



ملفات ومرفقات

- أهم أبعاد رؤية الغرب للإسلام.pdf

التعليقات


أضف تعليق